"بروكا" خاصتي لا تتقبل اللغة الإنجليزية!

لطالما كانت لديّ مشكلة مع اللغة الإنجليزية، مشكلة كبيرة ظننتها لفترة طويلة ستكون سببا في خسارتي لكُل أحلامي المتطايرة في فضاء ذهني، وحتى عندما كان يتوجب عليّ الكذب وادعاء معرفتي بهذه اللغة، لم أكذب لأنني فعلا لا أستطيع لفظ الكلمات كما يجب، تخرج معي الأحرف بطريقة خاطئة، وليس الذنب ذنبي بل ربما هو ذنب منطقة "بروكا"* في دماغي، وربّما لا.. المهم أنّ علاقتي بهذه اللغة مضطربة جدا، على العكس من لغتي الأم إذ أنني أجد بيننا ارتباطا روحانيّاً إن صحّ بذلك التعبير.

بدأ الأمر منذ عودتي إلى بلادي بعد وقتٍ طويل من الاغتراب، كنت حينها في الصف الثامن فعلياً إلا أنّي كنت سأبدأ صفّي الثالث في مرحلة تعلّمي لهذه اللغة، بينما كان زملائي قد قطعوا شوطا طويلاً في تعلّمها، وكنت هنا بدأت ألمس الفرق بين ما أعرفه وما تعلّموه، فاتسعت الفجوة وبدأت أرى من مادّة اللغة الإنجليزية عدوّي الأكبر ووحش القصص الخيالية، ومن حصّتها المدرسية فسحة للقفز بخيالاتي بعيداً عن المعلّمة والطالبات والمخيّم أيضا، واعترف أني استغرقت وقتا طويلا وأنا أعاني معها خاصة وقت امتحانها الذي كان دائما يهدّد سقف علاماتي ومستقبلي..

 

عاما بعد عام بت أدرك أني أستطيع استيعاب شيء مما تقوله المعلّمة في الصف، بدأ الأمر أشبه بالهدوء بعد عاصفة استمرّت لأكثر من عقد، لكنني في مرحلة الثانوية العامة لم أستطع فهم ما يقوله المدرّس الخصوصي لقد كان تائها أكتر منّي لذلك لم أستمر في أخذ دروس معه لأكثر من حصّتين، وقرّرت أن أقتل خوفي منها بيدي دون مساعدة أحد وأحصل على معدّل يليق بتعبي لـ 12 عاماً من التعليم المدرسي، درست بجد حتّى أصبحت جيدة نوعا ما في حلّ جزء من حروف كابوسي، وبالفعل استطعت فعل ذلك ونجحت بتقدير امتياز.

مع ثقتي الكبيرة بقدراتي التي لن تنحصر بمعرفتي لهذه اللغة، إلا أني لربّما أخطأت في تسليم أمري لله واكتفائي بفهم الكثير مما يُقال باللغة الإنجليزية، وعدم استمراري في محاولة تعلّمها
 

بعد الجامعة وعندما دخلت مجال العمل، بدأت أدرك أنّه لم يعد لدى الكثيرين مشكلة في اللغة الإنجليزية، لكنّ المصيبة باتت في لغتهم العربية، وهنا حُلّت عقدتي فلم أعد أخجل أن أقول بصوتٍ عالٍ أنني لا أفهم ما قيل لي، وأني لن أتحمّل عبء ترجمة نص إلى الإنجليزية أو منها، لأنني مثل الجميع لديّ مشكلة، ومشكلتي مضادّة لمشاكلهم، وحسناً سأعترف الآن أني لا أجد في الاستماع إلى الأغاني الإنجليزية أي متعة تذكر، لأنني أبحث في الأغنية عن معنى كلماتها، حتّى لو غُنّت دون موسيقى أو بلحن مضطرب وصوت نشازي.

ومع ثقتي الكبيرة بقدراتي التي لن تنحصر بمعرفتي لهذه اللغة، إلا أني لربّما أخطأت في تسليم أمري لله واكتفائي بفهم الكثير مما يُقال باللغة الإنجليزية، وعدم استمراري في محاولة تعلّمها.. رُبما كنت سأصل بها إلى أفضل مما أنا عليه اليوم، وأعلم جيّدا أنّ حلمي في السفر لاستكمال دراستي والحصول على درجة الماجستير في التخصص الذي لن أكف عن الحلم به مرهون بتعلّمي لها، لذا فكلّما كبرت في السن يصبح الحاجز أكبر مع الوقت حتّى وإن كنت لا أزال في الرابعة والعشرين من عمري، إلا أني حقاً سئمت من محاولة إتقان هذه اللغة، وسعيدة رغم ذلك من عدم إصابتي بالحرج حينما يضحك أحدهم لأني لفظت كلمة بطريقة خاطئة أو عندما لا أفهم حديثا يدور بين اثنين عربيين يفضلان إجراء حوارهما بالإنجليزية، ثم إن من عليه أن يُصاب بالحرج!

 

وأنا أخيراً على قناعة تامة أنّي واقعة في مصيبة كوني لا أتحدث هذه اللغة في الوقت الذي يجري العالم في عجلتها، ولا أحتاج لأن أُذكّر بها على الدوام، لكنّي سأكون في مصيبة أكبر لو ادعيت إلمامي بها وأنا لم أكن يوماً كذلك، ثُمّ إن على المرء أن يعترف بنواقصه باحثا عمّا يسدّ فيه ما افتعلته من فجوة. ومع كل ما أفصحت به في الأعلى، فأنا كُل عامٍ في ليلة ذكرى مولدي أضع أهدافا أحاول تحقيقها في عامي الجديد، وفي كُلّ مرّة يسقط هدف واحدٌ منها مُبطلاً تعويذة الوفاء للأمنيات، أن أتقن التّحدث بالإنجليزيّة بطلاقة.. ومع هذا فلن أملّ من المحاولة لكن دون أن أحبس نفسي في دائرة الفشل لكوني فقط لدي مشكلة جزئية مزمنة مع "بروكا" العزيزة على ما أعتقد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بروكا: هي منطقة تقع في الفص الأمامي في أحد جانبي المخ وغالبا ما تكون في الجانب الأيسر من العقل البشري، ووظائف هذه المنطقة مرتبطة بإنتاج الكلام.



حول هذه القصة

هددت ماي نوابا متمردين في حزبها المحافظين بالدعوة لانتخابات عامة إذا رفضوا خططها بشأن الجمارك في إطار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك قبيل تصويت برلماني أمس كادت أن تخسر فيه.

18/7/2018

قالت الحكومة المصرية إنها قررت بدء الخطوات التنفيذية لطرح المزيد من أسهم خمس شركات مملوكة للدولة في البورصة المصرية، كدفعة أولى من برنامج الخصخصة.

18/7/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة