أيام العرب في زمن الثورة

blogs الانقلاب العسكري

لم نصدق جميعا ما حدث لربيع سرعان ما ذبلت زهوره، تماما مثلما لم نصدق كيف سقط بعض من حكمونا لعقود طويلة وهم لم يفكروا يوما في التخلي عن عروشهم إلا بعد أن يغيبهم الموت في غياهب نعوشهم، وبالطريقة نفسها لم نهضم كيف يفعل إحساس إنسان بالذل والقهر والهوان فيستحيل إلى مارد عظيم يزلزل الأرض من تحت أقدام جبابرتها، غير أنك لو وضعت عقلك بين صدغيك لأدركت بأن الربيع يعقبه صيف حار قائض لا يكاد يرخي سدوله حتى يطرده الخريف ثم يتلوه الشتاء، لكن في النهاية يأبى الربيع إلا أن يعود وهكذا تستمر دورة الحياة.

إن الثورة التي ثارت فأثارت ثوران الثائرين على وقع من تأثر ببغي الطغاة وظلم المتحكمين وجور حكوماتهم التي أذاقتهم صنوفا من الحرمان والمذلة، سرعان ما عدى عليها طغمة من العسكر فعسكروها، وقطعان من المتمردين فدمروها وخرجت الدولة العميقة من قمقمها فعمقت جراحات من ألهبت السياط ظهورهم في سجون كانت حكرا على أصحاب الجنح والسوابق واللصوص وقطاع الطرق فازدحمت المعتقلات بالثرثارين والثورجيين والمتأثرين بهم.

لم تنجح الثورة في تحقيق أهدافها بسب فشل المنظومة الاجتماعية في صناعة وعي شعبي، وفشلت منظوماتنا القيمية في صناعة قيادات قادرة على تأطير الشارع وتنظيمه وتعبئته

لقد أخذت مسارا ملتويا تلك الطريق من عربة الخضار إلى سجن طرة لتزداد تعرجا في جنبات حماة وحلب ومصراتة وعدن، والتهبت صفعت الشرطية في خد بائع الخضار في عتبات القصرين لتصبح براميل متفجرة في إدلب والزبداني، وطالت مآسي اللاجئين والمبعدين قسرا ولم تنته ليالي المغتصبات والثكالى، بل لم تندمل جراحات المعذبين والمكلومين، كنا نحسب أنه بعدما أزهر الربيع في تونس ياسمينا وأينعت بساتين الحرية في مصر دستورا ومجالس منتخبة أن القيد انكسر والليل انجلى، وما إن خرج الرئيس في ميدان التحرير فاتحا سترته ليبرز صدره عريانا لا يهاب أزيز الرصاص ولا يخشى تمتمة كاتم الصوت حتى راح المتمردون يدسون له الدسائس ويتآمرون مع بني أبيب وبني خليج، وكفر بالنعمة من كان بالأمس مغمورا وصار اليوم مخمورا فاستباحت دباباته أرض رابعة والنهضة فأحرقت وقتلت وسحلت، وتعقبت فلوله من بقي من الأحرار طليقا وزجت بهم في سراديب الزنازين.

أعداء الثورة من أصحاب الثروة الذين أثْروا من الثرى إلى الثريا بين عشية الفقر والحرمان وضحى الاستبداد والطغيان لم يكن همهم معاداة الشيوعيين هذه المرة على غرار ما حدث في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تلك الشيوعية العربية التي كانت تناهض ظلم الرأسماليين للكادحين، بل أصبح هم (الثروجيين) على أيام العرب هذه مناهضة الحرية التي رفضت طغيان المستبدين ودكتاتورية الزعماء، وبالمختصر قطع طرق الثورجيين نحو السلطة.

لم تنجح الثورة في تحقيق أهدافها بسب فشل المنظومة الاجتماعية في صناعة وعي شعبي يستطيع أن يستمر ويثابر ويواجه الثورة المضادة، فشلت منظوماتنا القيمية في صناعة قيادات قادرة على تأطير الشارع وتنظيمه وتعبئته، بينت الأحداث في مصر أننا أمام أزمة أخلاقية، جحافل من الغوغاء تمدح الذل والهوان وتسبح بحمد من يعتمر قبعة عسكرية يتيه عظمة تحت ظلها، وينتعل بيادة يدوسهم بها وتتلذذ تلك الكائنات المحسوبة على البشر بذلك الإذلال والاحتقار فترتـفع عقائرها "تسلم الأيادي"، وهذا ما أدى في نهاية المطاف بالعسكر إلى إخماد صيحات "الشعب يريد" وخنقها بعدما سطو على السلطة واستباحوا شرعية الحاكم المنتخب، وكما كان القهر والذل والظلم وقودا للثورات في بداياتها كان كذلك وقودا لإخمادها فقد صعد العسكر إلى دباباتهم ومزنجراتهم على ظهور الجحافل الذليلة والخانعة التي تأبى العز والعدالة والمساواة.

وقبل هذا المشهد، قبل أن تدوس دبابة العسكر زهور ربيع العرب، عملت الأبواق الإعلامية والمنظومات التربوية والتعليمية والمجتمعية على صناعة الخنوع والذل والانقياد والمشي جنب الحائط وتشويه الإنسان والمجتمع وما تبقى من عقول سليمة يمكنها بعد الانقلاب أن تؤسس لموجات ثورية معاكسة قُتـِلت أو سُجنت أو هُجِّرت. لقد أدت البداية العفوية وغير المخطط لها للثورات إلى الفوضى والإرباك، وحتى بعدما تم السيطرة على ذلك بظهور أحزاب وجماعات قادت العمل الثوري سرعان ما دب الخلاف بينها حول تصور الدولة ونظامها السياسي مستقبلا. 

 أسهمت العديد من القوى والتيارات السياسية التي ادعت إنقاذ الثورة في تسليمها للمتمردين والمنقلبين على الشرعية حينما شنت حملات تزعم من خلالها أن الإخوان سرقوا الثورة
 أسهمت العديد من القوى والتيارات السياسية التي ادعت إنقاذ الثورة في تسليمها للمتمردين والمنقلبين على الشرعية حينما شنت حملات تزعم من خلالها أن الإخوان سرقوا الثورة
 

النظام السياسي ليس شخص الرئيس بل هو منظومة معقدة ومتشابكة من الأركان والأوتاد "الجيش والشرطة، القضاء وأصحاب المصالح، الأعيان وزعماء القبائل، المؤسسات المالية والإعلامية" وليس فقط داخل الوطن بل تتعداه إلى دول إقليمية ومنظمات حكومية وغير حكومية، إن النظام بالمختصر هو هذا الخليط حين يفرز بمجموعه قرارات لوأد الثورة وخنق الجماهير.

لقد تأدلجت الثورة وأصبح هنالك صراع بين الإسلاميين والعلمانيين أدى إلى نشوء جو من عدم الثقة والخوف من الإقصاء ولهذا فحتى تنجح أي ثورة يجب نزع سلاح الإيديولوجيا، والتوافق لتحقيق الأهداف المشتركة، المساواة والعدالة والديمقراطية وحرية الرأي وأهم شيء ضمان نظام سياسي مدني من خلال إبعاد العسكر تدريجيا عن المشهد السياسي.

كما أسهمت العديد من القوى والتيارات السياسية التي ادعت إنقاذ الثورة في تسليمها للمتمردين والمنقلبين على الشرعية حينما شنت حملات تزعم من خلالها أن الإخوان سرقوا الثورة وركبوا موجتها، وربما دفعهم إلى هذا الزعم أن نقموا على الإخوان المكاسب السياسية التي حققوها والانتخابات التي اكتسحوها غيرة أو حسدا، لكن وبعد أن انهار المعبد على الجميع وظهرت حقيقة نوايا العسكر ودخل الإخوان إلى السجون وذاقوا الويلات والمحاكم والمطاردة لم نسمع صوتا لتلك التيارات تشيد بتضحيات الإخوان وحظوتهم بمغارم الثورة لوحدهم.