الخلاف السياسي بين الإسلام والليبرالية!

blogs - مظاهرة

في البداية نحب أن نوضح الفارق الجوهري بين الإسلام وبين الفكر الإسلامي، الإسلام هو كل ما حمله إلينا نبينا الكريم من قرآن كريم وسنة نبوية أما الفكر الإسلامي فهو الصنعة العقلية التي ينتجها المفكر المسلم لكي يخرج إلى النور أفكاراً ومبادئ وسبل وأساليب تعين الأمة على الحياة الدنيوية ولكن ذلك الفكر يسمى إسلاميا لأنه يأتي في ظلال الدين وبمشورته وفقا لمبادئه مع مساحة حرة واسعة في كل ما لم يضع له الدين أحد الضوابط استناداً إلى الحديث الشهير "أنتم أعلم بأمر دنياكم".

 

من الخلافات السياسية السائغة والمنتشرة في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة هو ذلك الخلاف الشهير بين التيارين الليبرالي والإسلامي..

 

في الأغلب لا مفر من الانتماء إلى أحد الفصيلين فإذا كنت ليبراليا عربيا عادة ما يتم نعتك بالمنحرف عن الدين بل والمحارب له وعلى الصعيد الآخر ينظر الليبرالي إلى أولئك من يطالبون بآية تدخل للدين في السياسة كضيقي الأفق متقيدي الأدمغة خوفا من تكرار التجربة الأوروبية التي سنسردها فيما هو آت.

 

من الناحية المنطقية أيضا سيكون من أعجب عجائب الأمور أن يتدخل الدين في تفاصيل دقيقة في حياة المرء ككيفية نومه أو طعامه و في سلوكياته البسيطة ثم يهمل السياسة و أساليب الحكم

إن لليبرالية مبادئ متعددة، العلمانية تعد إحداها فقد لجأت إليها أوروبا بعدما أدى تدخل الكنيسة الأوروبية في السياسة إلى افسادها بعدما صار رجال الدين يملكون قدرة سياسية أكثر فعالية من الملوك والساسة وقاموا بمعاداة كل من يخالفهم حتى لو كان كل ما دعى إليه هو حقيقة علمية كجاليليو الشهير على سبيل المثال ونحن نختلف مع الفاشية الدينية ونختلف مع إعطاء القداسة لما دون الله وفي الوقت ذاته نختلف مع المبدأ العلماني وفصل الدين بشكل كلي عن السياسة وذلك الجزم بضرورة ربط الدين بالسياسة يمكننا اثباته بأكثر من طريقة أولهم الاستدلال المنطقي.

 

الدين كما يعرفه ريفيل هو "توجيه الإنسان سلوكه وفقا لشعوره بصلة بين روح خفية يعترف لها بالسلطان عليه وعلى سائر العالم ويطيب له أن يشعر بالصلة بها"، وميشيل مايير يعرف الدين في كتابه "تعاليم خلقية ودينية على أنه جملة العقائد والوصايا التي يجب أن توجهنا في سلوكنا مع الله ومع الناس وفي حق أنفسنا والمعنى اللغوي لكلمة دين طبقا لمحمد عبد الله دارز "لزوم الانقياد" وهذه التعريفات إن دلت على شيء فهي تدل على أن الدين يمس كافة المجالات والأنشطة الحياتية والحيوية الخاصة بالإنسان وعلى رأسها طرائق وأساليب الحكم المعروفة بالسياسة.

 

من الناحية المنطقية أيضا سيكون من أعجب عجائب الأمور أن يتدخل الدين في تفاصيل دقيقة في حياة المرء ككيفية نومه أو طعامه وفي زكاته واغتساله وسلوكياته البسيطة مع والديه أو جيرانه ثم يهمل السياسة وأساليب الحكم. فهل من المنطق أن ينتقد الدين قول الابن لأمه أو أبيه "أف لكما" في القرآن ثم يهمل تماما الشؤون الأكبر والأكثر أهمية؟

 

أما من الناحية الشرعية فإن اعتبار السياسة جزء من الدينمستدل شرعيا بالعديد من الأدلة أذكر منها آيتين ولمن أراد البحث عن المزيد من الآيات أو المواقف من السنة التي تؤكد ذلك فليبحث، إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ ( النساء:10)، وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ (المائدة:49). ولكن لا داعي للفزع إن ربط الدين بالسياسة لا يعطي رجال الدين قدرات سياسية لا نهائية وقوة جبارة على غيرهم وإنما تدعو فقط أن يكون هناك مجموعة من الضوابط للقانون والدستور وأساليب الحكم المستمدة منه ولا شك أن هناك العديد من الشؤون الدنيوية التي لا علاقة للدين بها وإنما ستخضع لمعايير مختلفة ككفاءة الشخص أو درايته بما يمتهن.

 

لا مانع أبدا من استيراد أي شئ من الغرب طالما لا يخالف ما نؤمن به والحقيقة أن ما نؤمن به لا يتعارض أبدا مع أسباب النهضة المادية التي تركناها نحن فتخلفنا وتمسك بها الغرب فنجح و تقدم

فحتى الرسول صلى الله عليه وسلم قد ثبت علاجه عند أطباء من غير المسلمين وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن هناك مجالا عريضا تكون في الأسبقية للكفاءة على سبيل المثال لا يمكن تولية وزارة من الوزارات لمن يعجز عن القيام بمهامها فقط لالتزامه وتدينه وإنما توجد العديد من المعايير المهمة التي لا بد وأن تتواجد في المجتمعات.

 

أما بالنسبة لبقية المبادئ الليبرالية فأنا أجد الكثير من الناس يدعون الليبرالية ويصمتون تماما إزاء القمع والإرهاب الفكري برغم وجود الحق في حرية الرأي والتعبير كمبدأ أساسي لتلك الأيديولوجية وغيرهم من تيار الاسلام السياسي قد يدافع دفاعا مريرا عن حرية التعبير عن الرأي ثم يهاجم الليبرالية برغم حثها على نفس ذات المبدأ!

 

كذلك عن استيراد الأفكار والأساليب سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية فانا لا أرى أبدا ما يمنع التعلم من الغرب وتقليده في كل ما ينفع مجتمعاتنا النامية المتخلفة، إن الجمود الفكري الذي يعاني منه من يهاجمون العلمانية لعله خير منفر من أيديولوجيتهم.

 

عندما استورد عمر بن الخطاب نظام الدواوين (الوزارات حديثا) من الفرس أو عندما حث الرسول الكريم على استيراد العلم ولو من الصين وعندما استخدموا القناديل لإنارة المسجد النبوي تقليدا للمسيحيين أو عندما استخدموا العلاجات الطبية المختلفة التي كان يتداوى بها غيرهم من الديانات والجنسيات لم يعترض أيا من هؤلاء من جامدي العقل إلا أنهم يعارضوننا اليوم إذا هممنا بالاستفادة ممن تقدموا في كافة الشؤون الدنيوية والاستجابة لمثل هذه التفاهات لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانحطاط والتخلف.

 

لا مانع أبدا من استيراد أي شئ من الغرب طالما لا يخالف ما نؤمن به والحقيقة أن ما نؤمن به لا يتعارض أبدا مع أسباب النهضة المادية التي تركناها نحن فتخلفنا وتمسك بها الغرب فنجح وتقدم،عندما أطالب بالاستيراد فأنا اتحدث عن التعليم والصحة والهندسة وكافة المجالات العلمية بالاضافة للكثير من السياسة والاقتصاد والقليل من الأدب وحفنة من الملابس أما ما نستورده فعليا الكثير من الملابس والفنون والرفاهيات مع تقليدا شكليا في غير ذلك لا ينفع بشئ!

 

وهناك أيضا قضايا المرأة المشهورة "بالفيمينزم" أو النسوية لا أعلم لما تعمل عقول البعض كالآلات الالكترونية الرقمية لا ترى إلا الواحد و الصفر أو الأسود والأبيض لا كالآلات الالكترونية الأنالوجية التي ترى الصورة كاملة بتفاصيلها ومسافاتها نعم نتفق تماما مع حق المرأة في العمل طالما تتناسب قدراتها مع ذلك العمل لماذا ينسى الجميع نسيبة بنت كعب التي كانت تقاتل بسيفين جنبا إلى جنب مع الرسول صلي الله عليه وسلم هل اعترض الرسول حينها وأخبرها أن مكانها في البيت لغسل الصحون أم شجعها وأشاد بدورها وشاركت بعد ذلك في قتل مسيلمة الكذاب الذي قتل ابنها حبيب. وهناك العديد والعديد من الأمثلة لأدوار بالغة الأهمية للنساء المسلمات على مدار العصور.

 

عندما أنظر إلى تاتشر أو ميركل أو غيرها من النساء الغربيات اللاتي أثبتن جدارتهن في عملهن أتحسر على ضيقي الأفق ممن لا زالوا يحصرون دور المراة في منزلها ولكن في الوقت ذاته تفهم بعض النسوية فهما خاطئا، عندما أدافع عن حقوقك فليس بالضرورة أؤيد خلعك لكامل ملابسك، لا أفهم صراحة ذلك الكبت الرهيب الذي تعاني منه البعض فيودي بها إلى التفكير بالملابس قبل التفكير بأي شئ آخر. بعض الناس قد يتناقشون في جواز ارتداء البنطال أسفل التنورة لساعات وآخرون قد يتناقشون حول الحد الأقصي لخلع الملابس هل البنطال الممزق يكفي لإثارة (الكراش) أم يستلزم الامر أن استبدل ذلك البنطال بالهوت شورت؟

 

إنني أهاجم الفساد الأخلاقي وكل ما يتعارض مع الدين ولا أدعو الفتيات إلى خلع ملابسهن وإنما أدعو إلى خلع القيود عن عقولهن، لا أرى تعارضا بين أغلبية ما تدعو إليه الليبرالية مع الاسلام وإنما أرى ضرورة التعلم من الليبراليين الغربيين لبناء فرعا معاصرا من علم الاجتماع يسمح لنا باللحاق بركب الأمم المتقدمة مع نبذ كل ما يتعارض مع الدين وبالطبع مثل هذه العملية الدقيقة تحتاج عقولا يقظة لنخل الأفكار والسلوكيات واختيار الأصلح لمجتمعنا.