هل كان عباس العقاد إسلاميًا؟

blogs عباس العقاد

في حس كثيرٍ من الناس ينتسب عباس العقاد للظاهرة الإسلامية، فهل كان حقًا إسلاميًا؟، هل كان عباس العقاد من الداعين للإسلام المدافعين عنه في وجه خصومه؟! حال تتبعي للقمص المتطرف زكريا بطرس في 2007 وجدته في حضرة أنثى (ناهد متولي) مثله في التطرف أو أشد، يفتريان الكذب على الله ورسوله، ويستشهدان بعبَّاس العقَّاد!

استشهد بطرس ببعض ما كتب العقاد في كتابه (الله)، جل جلال ربنا وتقدس، وهو من أشهر ما كتب العقاد. وحين ذكر بطرس العقادَ هاجت أنثاه نشوة وطربًا وراحت تثني على العقاد، تقول: (الأستاذ والمفكر الكبير..) وراح بطرس يتلو من كلام العقاد مستشهدًا على كذبه وافترائه على الله ورسوله. (انظر: زكريا بطرس، برنامج أسئلة عن الإيمان، الحلقة 18 بعنوان: شهادة علماء الإسلام لصحة الكتاب المقدس وعدم تحريفه، والحلقة مفرغة في موقع بطرس وغيره).

قلت في نفسي وقتها: لابد أن بطرس يكذب على عباس العقاد، وذهبت فرحًا إلى موطن الاستشهاد لأثبت أن بطرس كذاب كعادته؛ ولكني في هذه المرة لم أجده يكذب. وجدت ما قالا بطرس وأنثاه وأشد. قرأت كتاب العقاد كله، وأعدت النظر فيه مرة بعد مرة؛ وجلست عند العقاد ولم أنصرف. قضيتُ أكثر من عامٍ أقرأ فيما كَتب العقاد وفيما كُتب عنه، وتجاوزت سبعة آلاف صفحة للعقاد وعنه، وكلما قرأت أمسكت رأسي وربما ضربت بها في مكتبي من هول ما أجد. وبعض ما وجدت:

حاولت أحد الأساتذة وضع إطارٍ فكري للعقاد، فكان أن وضعته في إطار إنساني يدافع عن الجمال والفن بمفهومهما العلماني المعاصر لا إسلامي يدفع المنصرين والملحدين ويدعو الناس لله رب العالمين

عباس العقاد شديد القرب من معتقدات النصارى في كتابهم وفي قصة الصلب والفداء المزعومة وفيما قالوه عن (بولس.. شاؤول) وغير ذلك، حتى أنك لو قرأت ما كتب العقاد في هذه المواضيع وأنت لا تعرف الكاتب لن تشك لحظة في أنها رواية نصرانية وليست من مفكر إسلامي! ولذا طرب بطرس وأنثاه بذكر العقاد واستحضروه شاهدًا على صحة حالهم! والعقاد يتبنى نظرية التطور المعرفي والعضوي! والعقاد يتطاول على الصحابة رضوان الله عليهم، بما قاله الروافض وزاد! والعقاد يعتقد بنبوة غاندي الهندي عبد البقرة! والعقاد يقدم رؤية للتوحيد والوحي لم أر مثلها قط في غرابتها وشدة بعدها عما أعرف من الدين!

انتبه المهتمون بنشر الفكر العلماني (ما سمي بالتنوير) إلى أن عباس يقف بعيدًا منفردًا، ولذا بادروا لنشر كتبه، يقول صاحب دار الكتاب العربي بدولة لبنان في تقديمه للمجلد الخامس والأخير من موسوعة العقّاد الإسلامية: (يتألف هذا القسم من نتاج العقَّاد، والذي دعوناه بـموسوعة العقّاد الإسلامية من خمسة ِمجلدات ٍهي العبقريات وشخصيات إسلامية وتوحيد وأنبياء والقرآن والإنسان وبحوث إسلامية، ويشتمل على خمسة وعشرين كتابًا مختلفًا، تؤلف الذخيرة اللازمة للاطلاع على حقيقة الدين الإسلامي وجوهره). بمعنى أن عباس كان قراءة جديدة (مختلفة) للشريعة ولم يكن أديبًا فقط كما يحلو لبعضهم أن يصفه.

واهتمت أستاذة أكاديمية بما كتب العقاد، وحاولت وضع إطارٍ فكري له، فكان أن وضعته في إطار إنساني يدافع عن الجمال والفن بمفهومهما العلماني المعاصر لا إسلامي يدفع المنصرين والملحدين ويدعو الناس لله رب العالمين؛ وسمت بحثها: (الجمال والحرية والشخصية الإنسانية في أدب العقاد). هكذا ظهر لها العقاد.. مدافعًا عن قيم الجمال والحرية بالمفهوم العلماني، والكتاب مليء بالاستشهادات الكثيرة المنضبطة. 

وأشد ما يستشهد به لإسلاميات العقاد هو العبقريات، وحين تقرأ عبقريات العقاد وتعيد النظر فيها مرة بعد مرة تجد أنها بعيدة كليةً عن الانتصار للدين وسيد المرسلين؛ وهذه بعض الملاحظات على العبقريات:

أولها: أنها كتبت-كما يذكر هو- انتصارًا للفردية (العظماء) ضد الهجمة الجماهيرية؛ ولم يستهدف بها الرسول-صلى الله عليه وسلم- ونفرًا من أصحابه وعظماء التاريخ الإسلامي، وإنما كل (العظماء)، فوصفَ كثيرين بالعبقرية، أو العظمة، منهم عبد البقرة غاندي، وبنيامين فرانكلين، وجيتي(الشاعر)، وشكسبير، وبرنارد شو، وابن عربي، والحلاج، وسعد زغلول؛ وهؤلاء خليط: ساسة وشعراء، ومفكرون، ومن استقراء السياق نجد أن القاسم المشترك بينهم هو التأثير في حياة الناس، وهذا ما كان يعجب العقاد ويعطي عليه وصف العبقرية، فقد كان مأخوذًا بالعظمة والشخصية ذات السطوة لا بالإيمان بالله ورسوله.

ثانيها: تنطوي العبقريات على فكرة رئيسية تعارض ما استقر في صحيح المنقول وصريح المعقول، وهي أن السيرة- أو التاريخ عمومًا- من صنع أفراد معدودين (العباقرة). وأن هؤلاء العباقرة صنيعة العوامل الوراثية والبيئية، فكل منهم ورث أباه وتأثر ببيئته! وكل ما حولك يشهد على خطئ هذا الادعاء، فالبيئة الواحدة والبيت الواحد يخرج منه الأضداد؛ والوحي هو الذي صنع محمدًا-صلى الله عليه وسلم- وصحابته، (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) (الشورى: 52). وتستحق العبقريات أن نفرد لها عددًا من المقالات، ندور حولها ونبين بعض ما فيها من التعدي على الرسول وأصحابه وعلى العقل الصحيح والنقل الصريح.

وحين كتب عباس العقاد يدافع عن الدين في وجه المستشرقين، مثل كتاب (ما يقال عن الإسلام) و(حقائق الإسلام وأباطيل خصومه) كان ذلك استكتابًا من ضباط الثورة بعد أن اعتقلوا الإخوان المسلمين. كانت محاولةً منهم لسد الفراغ، فاستكتبوا العقاد واستجاب لهم، ولازال بعض ما كتب في هذه الفترة بتقديم الضابط محمد أنور السادات؛ وحين اعتقل سيد قطب ورفاقه استكتبوا العقاد وهم بكتابة تفسير ليكون بديلًا عن الظلال؛ وهذه النوعية من الكتابات (كتابين أو ثلاثة) اعتدل فيهما العقاد قليلًا ليناسب المقام. 

وحين تطل على مسيرة عباس العقاد بين الناس من ولادته 1889 إلى وفاته 1964 تجد أنه لم ينضم عمليًا للداعين للإسلام أو المدافعين عنه بل كان يناوشهم. فإلى الخمسين من عمره كان بين السياسيين: سعد زغلول، ثم حزب السعديين، وظل سياسيًا حتى فشل وهم بالانتحار-كما يذكر هو في حوارٍ متلفز- وحين لفظته السياسة التحق بما هو رائج يومها، (الكتابة في الإسلاميات)، وكتب في ذات القضايا الثائرة: السيرة، الآثار، إبراهيم الخليل وتاريخ الأديان، التطور وتأثير البيئة؛ ودافع عن الديمقراطية مبكرًا؛ وهاجم الإخوان المسلمين وكان يسميهم (خُوَّان المسلمين)، وكان صديقًا حميمًا لطه حسين؛ ولم يصاحب أحدًا من المنتسبين للحالة الإسلامية.

كان يزدري الألقاب ويأبى أن يرافق أيًّا منها اسمه. فاسمه-حسب ظنه- مجردًا أعلى من كل الألقاب، اللهم أن يقال: الأستاذ بالألف واللام (أل العهدية)، وكأنه هو الأستاذ وحده!كان يزدري الألقاب ويأبى أن يرافق أيًّا منها اسمه. فاسمه-حسب ظنه- مجردًا أعلى من كل الألقاب، اللهم أن يقال: الأستاذ بالألف واللام (أل العهدية)، وكأنه هو الأستاذ وحده!
 

انتفش العقاد في حس كثيرٍ من الناس بسبب أنه وقف وسطًا بين المدافعين عن الدين كطنطاوي جوهري ورشيد رضا وحسن البنا وأحمد شاكر ومحمد شاكر والمعادين له كطه حسين؛ فحينًا يقترب من الداعين المدافعين وغالبًا مع أولئك المعادين الدافعين للدين والمتدينين؛ وحملت كتابته من هذا ومن هذا. ولأنه تلقى دعمًا خارجيًا من الإنجليز وخاصة حين هاجم هتلر، ومن المنظومة العلمانية التي عنيت بكتبه كونه يفسر السيرة بأدواتهم المعرفية (تأثير البيئة والعامل الوراثي والعبقرية)، ويتبنى صراحةً نظرية التطور العضوي والمعرفي وهي أم القضايا عند الغرب.

 

وتلقى دعمًا من الحكومة في عهد السعديين (وكان منهم)، وتلقى دعمًا من ضباط الثورة بعد الصدام مع الإخوان ليكون بديلًا لهم. وانتفش لما ظهر عليه من فقرٍ وضيقٍ في العيش فقد كان يلتقي زواره ببجامة صوف لا تتغير صيفًا أو شتاءً؛ وفسر محبوه فقره بأنه زهد في الدنيا، وما كان زهدًا، فقد ترشح للانتخابات ودخل مجلس الأمة (البرلمان) مبكرًا في حكومة سعد زغلول، وكان قريبًا من زعيم حزب السعديين المنشق على الوفد، وقبل تعيينه في مجلس الشيوخ من قبل (الملك)، وشغل عددًا من المناصب؛ وما كان بالعقّاد تواضع فاستعلائه وتطاوله على أقرانه معروف ومشهور. كان يزدري الألقاب ويأبى أن يرافق أيًّا منها اسمه. فاسمه -حسب ظنه- مجردًا أعلى من كل الألقاب، اللهم أن يقال: الأستاذ بالألف واللام (أل العهدية)، وكأنه هو الأستاذ وحده!

وفي سلوكه الشخصي لم يكن متدينًا، فلم يكن يصلي، ولا حتى الجمعة.. كان يعقد صالونه يوم الجمعة وقت الصلاة، كما يذكر أنيس منصور في كتابه، وهو شاهد عيان، وكان يحب كلبًا (بيجو) ويصاحبه في بيته وخارج بيته ورثاه حين مات بقصيدة شعر، ومع أنه كان يتطاول على المرأة ويظهر احتقارًا لها إلا أنه أحب مي زيادة، وأحب (سارة)، وغيرها.. اجتاحه الأنوثة بجبروتها؛ ولم يتصالح مع الأنوثة على قنطرةٍ شرعية (الزواج) بل كابر فخلعت عنه وقار المروءة ومات وابنته في يوم واحد حسب رواية أنيس منصور!