شعار قسم مدونات

كيف تصنع سياسات الخليج العبثية معارضة بالخارج؟

BLOGS المعارضة بالخارج

لم تعرف دول مجلس التعاون الخليجي وجود معارضة حقيقية للحكم، أي مشروع حكم بديل عن الأسر الحاكمة الموجودة، بل لم تعرف أغلب هذه الدول الصيغة السياسية الإيجابية للمعارضة التي تساهم في بناء الدولة ودفع السلطة للحكم الرشيد، إذ لم يتم السماح – ولا زال – بأي انتقاد بسيط حتى، للسلطة الحاكمة ولا للحكومة ولا حتى لبعض القرارات الخاطئة وذات الأثر المدمر على مصالح البلاد والعباد.

 

وبصورة عامة، دول مجلس التعاون الخليجي لا تستند على أي تاريخ ثوري، بخلاف الدول المحيطة كالعراق وإيران، وكل ما تعرفه هو حروب النهب البدوية التي كانت تمثل مصدر الرزق الأول، وانتهت بعد تشكيل نموذج الدولة الحديثة مع الاستعمار البريطاني وبعد خروج المستعمر. وحتى وقت قريب، لم نسمع على الإطلاق بأي اسم لشخصية خليجية توصف بأنها "معارضة" في الخارج، ثم بدأنا نسمع ببعض الأسماء التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة ممن استقر بهم المقام في لندن مؤخرا.

 

بل إن تجربة الاحتلال العراقي للكويت عام 1990 خير دليل على عدم وجود معارضة ذات مشروع حكم بديل، إذا سارع أهل الكويت من تلقاء أنفسهم وفي ظل غياب السلطة إلى الالتفاف حول الأسرة الحاكمة والدفاع عنها والعمل على عودتها للحكم ثانية، فالمسألة واضحة هنا، الشعب اختار في السابق أسرة آل الصباح لتحكمه، وأعاد اختيار هذه الأسرة بلا ضغط أو تهديد، ولو كانت هناك معارضة تريد الإطاحة بالحكم، لكان من السهل جدا عليها التعاون مع صدام حسين لتحقيق هذا الهدف.

إننا بإزاء خطأ استراتيجي كبير تغفل عنه دوائر صنع القرار في دول مجلس التعاون الخليجي، يتمثل بتجاهل هذه الشخصيات المعتبرة في مجتمعاتها وتركها وكأنها منبوذة ومحاربة

غير أن المتتبع لأحوال دول الخليج عموما، ولما يجري في الكويت – بلادي – تحديدا، يدرك بوضوح تزايد أعداد الخارجين، أو الهاربين من بلدانهم واستقرارهم في لندن واسطنبول وواشنطن وغيرها، حتى يكاد الأمر يصل إلى تشكل ظاهرة جديدة على المستوى السياسي والاجتماعي في هذه البلدان. فهناك على سبيل المثال أكثر من ثلاثين شخصية كبيرة ومهمة في الكويت استقر بهم المقام في اسطنبول هربا من أحكام قضائية على تهم سياسية معظمها تغريدات في تويتر تنتقد تزايد الفساد وسرقات المال العام! منهم أعضاء سابقون في البرلمان ولهم قاعدة جماهيرية كبيرة، ومنهم إعلاميون كبار وناشطون سياسيون وأكاديميون.

 

وهناك نماذج مشابهة من شخصيات ناشطة من بعض الدول الخليجية الأخرى، وهنا نكون بإزاء خطأ استراتيجي كبير تغفل عنه دوائر صنع القرار في دول مجلس التعاون الخليجي، يتمثل بتجاهل هذه الشخصيات المعتبرة في مجتمعاتها وتركها وكأنها منبوذة ومحاربة، الأمر الذي قد يفضي في نهاية الأمر إلى تشكل "معارضة خارجية" حقيقية، ستعمل حينها – في ظل وجود دول كثيرة تتربص وتدعم – على تهديد النظام وإحداث صداع سياسي كبير يحرج الدول في كل محفل ومنظمة دولية، تماما كما يفعل أعضاء منظمة مجاهدي خلق مع النظام الإيراني حاليا.

 

أنا لا أتهم الشخصيات الموجودة في الخارج بأنهم معارضون للحكم في بلدانهم، فهم كما يعرف الجميع مجموعة من الوطنيين الشرفاء الذين لا يطلبون سوى إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية في إدارة الدولة، بل إنهم أول من سيقف ويدافع عن البلد وعن أفراد الأسرة الحاكمة إذا ما تعرضت الدولة لخطر، تماما كما حدث بعد الاحتلال العراقي للكويت عام 1990، ولكن ما أقوله أن تجاهل الأمر، وترك هؤلاء المواطنين الإصلاحيين واستمرار هذه السياسة الأمنية الصارمة التي ضيقت على العباد وأجبرتهم على ترك البلاد ستؤدي مع مرور الوقت إلى ما لا نريده ونتمناه.

لدينا شباب وطني يطالب بإصلاحات إدارية بسيطة تحفظ الأوطان وتصون كرامات الناس وحرياتهم، لكن مع الأسف، تتم ملاحقتهم والتعامل معهم بقبضة أمنية باطشة
لدينا شباب وطني يطالب بإصلاحات إدارية بسيطة تحفظ الأوطان وتصون كرامات الناس وحرياتهم، لكن مع الأسف، تتم ملاحقتهم والتعامل معهم بقبضة أمنية باطشة
 

شخصيا، لا أميل لطريق الثورة وإنما أميل لطريق الإصلاح، لسبب واقعي وهو أن الثورة تمثل قفزة في المجهول، وفي منطقة كمنطقتنا التي تلهث خلفها الدول وتبحث فيها عن أي فرصة للانقضاض ونهب ثرواتها، وفي ظل وجود مجتمعات منقسمة لجماعات وطوائف يكفر بعضها بعضا وتستبيح دماء بعضها البعض، تصبح الثورة مخاطرة واضحة النتائج والنهايات، والتي لن تختلف عما يجري في سوريا وليبيا هذه الأيام بكل أسف.

 

أعتقد بشدة أن الإصلاح هو الطريق الأفضل لدول غنية ومشاكلها محدودة وبسيطة يمكن تجاوزها بسهولة بقليل من التعديلات الدستورية التي تضمن مشاركة شعبية أوسع في السلطة، وحريات أكبر في الصحافة والحياة العامة، وعدالة اجتماعية أكبر تحد من سرعة عمليات النهب وسرقة المال العام التي تجري بكل شراهة دون حساب. المسألة بسيطة فعلا إذا تأملنا فيها جيدا، لأن تكلفة الإصلاح أقل بكثير من تكلفة الثورات والدمار.

باختصار شديد.. لدينا شباب وطني يطالب بإصلاحات إدارية بسيطة تحفظ الأوطان وتصون كرامات الناس وحرياتهم، لكن مع الأسف، بدلا من احتوائهم والاستفادة من خبراتهم وجهودهم وأفكارهم، تتم ملاحقتهم والتعامل معهم بقبضة أمنية باطشة، جعلتهم يختارون المنفى الخارجي. هذه ليست الطريقة الصحيحة في التعامل على الإطلاق، وكل ما نتمناه أن تسود الحكمة ويعاد النظر في سياسات القبضة الأمنية التي لم تحقق أي نتائج عبر التاريخ، بل تسببت في تصاعد حركات المقاومة المسلحة وتحويل الأحزاب السياسية المعتدلة إلى مليشيات عسكرية تتبنى العنف وسيلة للإصلاح والتغيير. الحلول الأمنية العنيفة ستحول هؤلاء الشباب من إصلاحيين إلى ثوار، هكذا علمنا التاريخ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.