شعار قسم مدونات

بَيْنَ حُروف الرّافِعي

blogs - الرافعي

كلّ عين تحاول أن تسبق أختها لتصل إلى الكلمة اللاحقة، هذا حالي وأنا أقرأ كلماته وحروفه السّاحرة، يبهرني في كلّ مرّة أقرأ بها شيئًا من بوحه بطريقة وصفه المبدعة للأمور والأشياء مهما كانت بسيطة، عمق المشاعر التي يوصلها للقارئ بين السّطور ستخذلني الكلمات كلّها في وصفه، وسأعجز حتمًا عن إنصاف قلمه.

كلّ من قرأ للعظيم الأديب الراحل مصطفى صادق الرّافعي-رحمه الله- يدرك تمامًا ما أقصد، يحقّ بل يجب أن تكون نصوصه مدرسة في الفن والأدب بحدّ ذاتها، فقد جمعت حروفه بين فصاحة اللغة وعمق المعنى وجزالة الوصف وسحره، وبلاغة البيان مع قوّة التراكيب، فشكّلت مزيجًا عظيمًا من القوة والرّقة معًا يصعب على أي كاتب تشكيله بهذه الدّقة.

يقول الأستاذ كرم جمعة عبد العزيز واصفًا كاتبنا العظيم: "لقد حقّ لنا أن نُسمع الدنيا وأن يعي عنا كلّ ذي لب راشد، أن الرافعي قد ظفر عن جدارة واستحقاق بلقب الأديب، المصقع، الحاذق، الخرِّيت، الفصيح، اللبيق، الشجاع، الثقف، اللقف، فارس ميادين العربية وآدابها؛ فما زال الرافعي-رحمه الله-يترقى به الأدب حتى بلغ غايته، بل رقاه الله أعلى الرتب، فما عاصره مثله، ولا رأى مثل نفسه في شدة بأسه على المتلونين، ونكايته في أعداء الدين".

تقرأ مناجاته لله عز وجل فيصلك رجاؤه وخوفه معًا ويثير في نفسك حنو العلاقة بين العبد وخالقه، ويشبع الحاجة الموجودة في قلبنا لشعور الاحتواء الذي نطلبه دومًا

فها أنت تراه تارة يصف نفسية الإنسان وأسرارها ومكنوناتها فيصدمك بواقعية كلماته وكأنه يصف كلّ قارئ على حدة كقوله: "في جمال النفس يكون كل شيء جميلا، إذ تُلقي النفس عليك من ألوانها، فتنقلب الدار الصغيرة قصرًا، لأنها في سعة النفس لا في مساحتها هي، وتعرف لنور النهار عذوبة كعذوبة الماء على المطر، ويظهر الليل كأنه معرض جواهر أقيم للحور العين في السماوات، ويبدو الفجر بألوانه وأنواره ونسماته كأنه جنة سابحة في الهواء، في جمال النفس ترى الجمال ضرورة من ضرورات الخليقة، ويكأن الله أمر العالَم ألا يعبس للقلب المبتسم”.

وتراه تارة يكتب عن الحبّ وكأنه القلب النابض في جوف كلّ عاشق فينصف مشاعره تجاه محبوبه دومًا، وتقرأ له في حين آخر رسائله لها التي ضجّت بالحنين والشوق والوجع فتتعجب من هول العاطفة المتأججة في قلب هذا الرجل وتلمس صدق نبضاته في كلّ حرف كتبه لها وتتعجب أيضًا من رفضها وإعراضها عن هذا القلب، لكنك تدرك من حروفه أيضًا أن القلوب لا تُمْلَكْ من أصحابها، فمالك القلب ليس من يضمه في صدره، بل مالك القلب شخص آخر، ولكلّ قلب مالك.

يقول الرافعي فيها:

يا حبيبـــــــــاً إذا حننــــــت إليـــــه حنّ في رقتي عليه حنينـــــــي
أنت شخصان في الفؤاد فشخـص ٌ عند ظني، وآخر في يقينـــــي
واحـــــــد كيف شئت أنت وثـــــــانٍ كيفمـــــا شئته أنا وظنونـــــــي
لا بهـــــــذا رحمتنـــــــي أو بهـــــذا بل بعقلـــي عذبتني وجنونـــي 
أملي فيك كالخيـــــــال على المــرآة كـــــذب مصـــــــور للعيـــــــون

تدرك بعد كلّ صفحة تقلبها وأنت تتجول بين كتب هذا العظيم، أن قلمه كان ذكيًّا جدًا، ولم يكن مجرد كاتب عاديّ منّ الله عليه بملكة الكتابة والتعبير
تدرك بعد كلّ صفحة تقلبها وأنت تتجول بين كتب هذا العظيم، أن قلمه كان ذكيًّا جدًا، ولم يكن مجرد كاتب عاديّ منّ الله عليه بملكة الكتابة والتعبير
 

تقرأ مناجاته لله عز وجل فيصلك رجاؤه وخوفه معًا ويثير في نفسك حنو العلاقة بين العبد وخالقه، ويشبع الحاجة الموجودة في قلبنا لشعور الاحتواء الذي نطلبه دومًا ولا يُشْبَع إلا بالبوح الصادق للخالق سبحانه وتعالى كبوحه: "لم تعطني يا رب ما أشتهي كما أشتهيه ولا بمقدار مني، وجعلت حظي من آمالي الواسعة كالمصباح في مطلعه من النجوم التي لا عدد لها، ولكن سبحانك اللهم لك الحمد بقدر ما لم تعط وما أعطيت، لك الحمد أن هديتني إلى الحكمة وجعلتني أرى أن نور المصباح الضئيل الذي يضيء جوانب بيتي هو أكثر نوراًً في داخل البيت من كل النجوم التي ترى على السطح وإن ملأت الفضاء".

تدرك بعد كلّ صفحة تقلبها وأنت تتجول بين كتب هذا العظيم، أن قلمه كان ذكيًّا جدًا، ولم يكن مجرد كاتب عاديّ منّ الله عليه بملكة الكتابة والتعبير. لا يمكن أن تكون حروفه هذه مكتوبة إلا بقلبه، فأتخيل أنا أنّه-رحمه الله- كان يغدق على بوحه بكلّ ما يملك من مشاعر لهذا السبب يصل كلامه للقلب سريعًا، فلا رسالة أسرع من تلك التي تكون من القلب إلى القلب بترتيبه وبعثرته معًا. استحق الرافعي وصف شكيب أرسلان عندما قال عنه "إمام الأدب وحجة العرب". ستظل نصوصه لامعة في الأدب العربي، مهما مر عليها الزّمن، وستظل حروفه معلمًا لكل من يطمح أن يكون كاتبًا يومًا ما، سيظل الرافعي -رحمه الله- وجهًا عربيًا يُذكر بفخر كلّما ذُكر لقب "كاتب مبدع".