ما بين المسكوبية والمحكمة!

blogs - 107-1-main

تمنّیت أن أبقى داخل الزنزانة وأن لا أنتظر ھذه الساعات في ھذا البرد، نافذة الغرفة كبیرة لیس لھا زجاج، لا بطانیات ھنا ولا مرحاض، تعبٌ شدید أصابني، شعرت بالبرد، استلقیت على سجادة لأحد السجناء ونمت طویلاً، الحدیث والأصوات تدور من حولي ألتقط بعضھا وأكون شاردًا في غیرھا، سمعت أحد السجناء یقول بعد أن عاد من المحكمة وقد أُجّلَت شھرین "الیوم مش راح أقدر أحكي مع خطیبتي التي انتظرتني سنتین" الحزن واضح في وجهه الذي یكاد ینفلق من القھر، أيّ امرأة ھذه! تنتظر كل ھذا الوقت الطویل الذي لا یُعرف متى ینتھي، وأي زوج ھذا الذي ینتظر بشغف ولھفة، إنّھما الأمّ والأب الفلسطینیان، أقوى صخور الأرض.

  
– أحمد موجود؟
قمت بلھفة وشوق
– أنا ھنا أنا ھنا!
– یلا تعال

   

لأول مرة أرى فیھا السماء بھذا الجمال، رأیت القمر وشكوت له بعضاً من ھمي لأنتزع منه قلیلا من الصبر

اقتادني خلفه في ممرّ طویل إلى ساحة كبیرة محاطة بالحدید، مرآة في أول الطریق، وقفت أتأمل وجھي الذي لم أره منذ أسابیع، شعري الكثیف، ووجھي الأبیض، عیناي الذابلتان، وكأنّي أبدو في الثلاثین من عمري، انتظرنا في غرفة بجانب قاعة المحكمة، نظرت من طرف الباب، رأیت أمي وأبي یجلسان على الكرسي داخل المحكمة، انھمرت دموعي دون أن أشعر بھا، أمي، كم أشتاق أن أحتضنك وأن أقبل یدیك، مسحت دموعي ودخلت رافعا إشارة النصر بإصبعي، رددت التحیة على والدي، لم ألقِ اھتمامًا لأحد، لم أسمع ما قاله القاضي ولا المحامي، عیناي لم تفارق أحدًا منھما، اقترب والداي لأسلّم علیھما، لكن الجنديَّ منعھما، رفعا إشارة السلام من بعید، ضحكتي لم تغادر وجھي، أشعرتھما أن كل شي على ما یرام، وشعرت حینھا بالطمأنینة.

    
حكم القاضي بالتمدید سبعة أیام أخرى على ذمة التحقّق من الأقوال، ودّعتھما ثم خرجا من المحكمة، انتظرت خلف باب المحكمة لأستلم ورقة الاتھام، قال المحامي وھو يخرج من المحكمة: استمر على ھذه الأقوال وأعدك بالإفراج، اقتادني "السھیر" إلى غرفة الانتظار، ثم سرحت في التفكیر، كیف أن أمي وأبي عادا إلى البیت وأنا أعود إلى الزنزانة اللعینة، لم أعد معھما كما في كل مرة نخرج فیھا، تعجب السجناء في غرفة الانتظار من ورقة الاتھام، استنكارا لاعترافاتي التي لیس لھا آي قیمة أمنیة ورغم ذلك أنا محتجز إلى الآن.

  

بعد أن أنھى جمیع السجناء محاكمتھم صعدنا إلى البوسطة لیلاً، لأول مرة أرى فیھا السماء بھذا الجمال، رأیت القمر وشكوت له بعضاً من ھمي لأنتزع منه قلیلا من الصبر، نزلنا جمیعاً في سجن الرملة "معبر"، كل أربعة سجناء في غرفة، كنت أنا وسجينٌ أتى معي من المسكوبية وسجینان آخران من السجن المركزي في غرفة واحدة، كنا جائعين جدا، فقد خرجنا من الزنزانة في الصباح الباكر قبل موعد الإفطار، وسألھما من معي إن كان لدیھما شيءٌ نأكله، ربما أحضراه معھما من السجن المركزي، فأكرمانا بما لذّ وطاب، فقد اعتدنا أن نشرب في كل صباح كأس الشاي البارد المخمر، ونتناول بجواره أصبع البن مع كسرت الخبز المقرقشة بفعل تعرضها للهواء، فكان طعاما فاخراً بعد جوع كافر.

   

ثم أطفِئت الأضواء جمیعھا، وتمدد كلّ منا على فراشه، صمت مطبق كأنه لا أحد بجواري، وضعت یديّ خلف رأسي متأمّلاً نجوم السماء، والھواء البارد یلسع خدي، یاه كم تغیرت نجوم السماء! فأنا لم أعھدھا بھذا الشكل، أین نجمتي المفضلة، بحثت عنھا ولم أجدھا، ھل ھذه نجوم حیفا وعكا ویافا وصفد، كم هي السماء جمیلة! لیت الأرض كانت مثلھا؛ دون حواجز ولا جدران فاصلة، إنّھا جمیلة كالحریة.

  

حبات القمح هذه إرثٌ لنا كما الأرض كما التاریخ وكما دماء الشھداء التي روّت تراب فلسطین 

لیتني من عھد القدماء؛ لَكنت مررت في وطني من رأسه إلى قاعة دونما حواجز وجدران، كما قالت لي جدتي؛ فھي ثائرة منذ القِدَم، ھي مَن یرتسم في جبھتھا الوطن، وفي تجاعید وجھھا مأساة الوطن، وفي جبینھا خارطة الوطن، جدتي بنعلیھا الممزقین صالت وجالت بلادي وتغلغلت أنفاسھا بھواء كل شبر فیھا، ولامست ترابه ثماره وماؤه، ومرّت بصفد وحیفا ورأس الناقورة وأم الرشراش وغزة وعكا وقباب المسجد الأقصى، وحبات القمح التي نثرتھا لحمام القدس شاھدة على ذلك.

  

ھي إرثٌ لنا كما الأرض كما التاریخ وكما دماء الشھداء التي روّت تراب فلسطین وضربت جذورنا في أعماق الأرض، وكما علمنا الأجداد بأن الأرض كالعِرض، فالأرض وطن ومن ضیعه فلا وجود له وھو من الخاسرین الضّالین.

   
نحن صامدون على أرضنا أمام ھذا الاحتلال الذي یرید أن یقتلع منھا الحجر و الشجر والإنسان الفلسطیني لیتفرّد بھا وحده، لكن أنّى له ذلك؛ فلنا وطن یعیش فینا وسنعود إلیه یومًا، غفت عیناي وأنا أخطّ ھذه الكلمات في عقلي، وأغنّي على موسیقى الوطن، فأنا الأغنیة وأنا الوطن! نوم هادئ مع نسمات الھواء الباردة النقیة، لیست كھواء الزنزانة المفلتر بالشفاطات، استیقظنا صباحًا على نداء السجان، عدد عدد عدد، قمنا جمیعا مسرعین بالنزول عن الإبراش قبل أن یصل السجان الغرفة.