الشابة ريام.. وراء كل امرأة عظيمة رجل!

blogs ريام

أقول حتى يومي هذا أنّ المرأة كائن فعّال لا يستهان به، ولكنّ الرجل من لا يسمح بذلك عادةً. في الأمسِ وأنا أقفُ على إحدى محطّات النقل العام انتظرُ حافلةَ مدينتي، وإذ بامرأة مسلمةٍ ترتدي حجاباً زاهي اللون تقودُ أطولَ حافلةَ نقلٍ قد رأيتها هنا في المملكة النرويجية.

  

بدأتُ اتّجه بخطواتي نحو الحافلة وعيناي لا تفارقُ جمالَ شخصيتها، أرى فيها الثقة التي نفتقدها معظمنا، وأدركُ في معاملتِها أصالةُ التربيةِ العربيةِ، صعدتُ الحافلةَ والشابّة لا تفلَت من نظراتي فقالتْ لي (Hei) متحدثة بلغة البلد، جلستُ هادئةً بعد ذلك أتحدثُ مع صديقتي التي جلست بجانبي، شارطت صديقتي بأن سائقةَ الحافلة عربيّة وليست تركيّة وقلت لها أعتقد أنها من العراق تحديدا، وفعلاً لم يخيب ظني. ربحتُ الرهان عندما تقدّمت إليها بعد نحو عشرين دقيقة لأسألها باللغة النرويجية وتجيبَني باللّهجة العراقية الجميلة.

 

ريام الشابة العراقية لم تكن بالنسبة لي مجرّد موقف عابر، بل إنها في منظوري الخاص هي قضيّة ملايين السيدات، امرأة عانت مرارة الحروب والصراعات الطائفيّة في العراق الشقيق لتفرّ من نيرانِ الحربِ إلى النرويج وهي ابنة 16 ربيع، وحيدةً لا تملكُ لغةً تُسعفُها ولا عائلةٍ تسانِدها، يرافقها فقط ظلّها في يوم صيفيّ حار.

 

كانت تحلم ريام في قيادة المركبات الكبيرة التي لم تألف مجتمعاتنا في أن تقودها المرأة، إلا أنها كانت كلما فكرت في فكرة كهذه، جاء إلى مسمعها نقد محيطها العربي

ريام بعد رحلة طويلة في مخيمات اللجوء المؤقتة قد حصلت على الإقامة الدائمة وتحمل الآن الجنسية النرويجية، حيث بدأت رحلتها في تعلم اللغة النرويجية وتزوجت منذ ثمانية سنوات حينئذ من الشاب البغدادي أيضا (علي) الذي يبلغ الآن من العمر 34 عاما ويعمل أيضاً كسائق حافلات، ومن ثم قد اختصت في مجال التمريض وراحت تبحث وتدرس فيه لمدة ما يقارب 4 أعوام ونيف، بعد ذلك تمكنّت الشابة ريام في أن تحصل على عمل جيد في المجال ذاته ولمدة خمسةِ أعوام إلا أنّ ريام لم تحقّق طموحها ولم ترَ شغف ذاتها في ذلك.

 

كانت تحلم ريام في قيادة المركبات الكبيرة التي لم تألف مجتمعاتنا في أن تقودها المرأة، إلا أنها كانت كلما فكرت في فكرة كهذه، جاء إلى مسمعها نقد محيطها العربي وسخريته من مهنتها ليكون ذلك كإحباط لها، لكن لزوجها (علي) كان هناك رأي أخر.

 

ظل زوجها (علي) وراء أحلامها يساعدها على التقاطها بل أنه نذر نفسه في سبيل تحقيق كل ما تخاف ريام من تحقيقه، فبدأ يعلّمها أساسيات القيادة النظريّة ويصطحبها معه في حافلات المدينة طالباً منها أن تجلس في الصفوف الأمامية وتراقب حركاته وانفعالاته وكل حركة يأتي بها، وعلى هذا الحال استمر (علي) في تعليم زوجته أساسيات القيادة، حتى تمكنت الشابة ريام بفضل من الله ودعما وتحفيزا من زوجها العظيم أن تنجح في اختبار القيادة للمركبات الضخمة والتي تعد النرويج من أصعب الدول الأوروبية حصولا على رخص القيادة العامة والخاصة .

 undefined

في مطلع 2018 تمكنت ريام من الحصول على عمل دائم في إحدى أحدث شركات النقل العام في الجنوب النرويجي لتكون بذلك السيدة العربية الأولى التي تقود بحواسها مجتمع كامل يخرج وراء مكابحها نحو المحاكم والمدارس والجامعات والمكاتب والمشافي وغيرها. تقول ريام: "الحجاب ليس بعائق فالله عز وجل لا يفرض علينا شيئا يعيق لنا حياتنا، الإعاقة هي إعاقة الفكر فقط". وتتحدث ريام عن أهمية المرأة العربية في المجتمعات العربية والغربية تحديدا، وعن ضرورة التغاضي عن كل النقد الساخر التي قد تتعرض له المرأة في ظل عمل كهذا، حيث تحدثت أيضاً ريام عن إصرارها وإقدامها نحو طموحها بالرغم من تلك التعليقات التي كانت توجّه لها من قبل بعض السيدات العربيات هنا قائلة إحداهن: "شو خلّيتي شغل للرجال!".

 

انتهت رحلتي ووصلت إلى منزلي بعد وقت وجيز، راغبة في لو أن الرحلة تطول وتطول لكي أغوص في قصة نجاح ريام أكثر فأكثر، ولكي تعلم كل فتاة تقرأ أن أوروبا لا تفرض عليكي خلع الحجاب لكي تمارسين حياتك الطبيعة، فخلع الحجاب في أوروبا هو قرار شخصي وليس قانوني أو واقع يفرض عليكِ ذلك، فالمحجبة في أوروبا اليوم تجد ما لا تجده ربما في الشرق الأوسط، ألاو هو الخروج بحجابها دون التعرّض لشيء يخدش مشاعرها أو يؤذي مسامعها. بعد قليل نزلت من الحافلة وأنا أردد في داخلي.. "وراء كل رجل عظيم امرأة، ووراء كل امرأة عظيمة هناك رجل أيضاً".



حول هذه القصة

هذا الصباح- انتشار مرض الوحدة القاتل في بريطانيا

يعاني واحد من كل أربعة بريطانيين من الوحدة المزمنة، في مؤشر على احتمال حدوث موت مبكر بسبب أمراض القلب والأوعية والدموية، وهو ما جعل بريطانيا تتخذ إجراءات لمواجهة هذه الآفة.

Published On 15/7/2018
Police stand guards during a court session in which 739 people are being tried for participating in a 2013 sit-in in support of the Muslim Brotherhood. in Cairo, Egypt June 30, 2018. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany

قضت محكمة جنايات مصرية بالسجن على 27 متهما من جماعة الإخوان المسلمين، بينهم 12 عوقبوا بالسجن المؤبد 25 عاما بتهمة “التحريض ضد الدولة” في قضية تعود إلى عام 2015.

Published On 15/7/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة