لماذا يجب أن تخسر الجامعات؟

blogs - graduation

إستُهلك قطاع التعليم والأكاديميا في لبنان أفقيًا، أي محليًا، لكن آفاقه ما زالت مفتوحة بسبب التحديات الكثيرة امامه المتمثلة في الاستثمار عاموديًا على مستوى العالم العربي وهو سوق ضخم، ومنها سرعة إنتاج معرفة الكترونية عربية ومواد تعلمية باللغة العربية التي إن لم تحصل ستقوم هارفرد وجامعات دولية اخرى بذلك. الأكاديميا ليست الشهادة، بل إنتاج المعرفة باعتباره عالم متكامل يتألف من التعليم، الأبحاث وخدمة المجتمع.

 

إذًا ثلاث عوامل مجتمعة تسمى أكاديميا وفق البروفسور بيار الخوري، نائب رئيس الجامعة اللبنانية الألمانية لشؤون التطوير وعميد كلية التجارة والتأمين منهيًا اللغط الحاصل بالافتراض أن الأكاديميا هي شهادة فقط لكنها في الواقع جزئية "بسيطة جدًا" من منتوج هذا العالم ورسالته التعليمية، فالعلم بحسب نظرته يقدّر بأكثر من الشهادة على أهميتها إذا كانت تكميل ومؤشر لمعرفة حصلت بفترة زمنية محددة إذ يقول: "الجامعة تنتج معرفة لا شهادات".

 

يقاس هذا الواقع على قدر ما توجه الجامعة التعليم نحو البحث العلمي فالإنتاج العلمي البحثي. يحدد الإنتاج هذا بمجموع النشاط البحثي الذي يقوم به الطلاب والأساتذة فلا أستاذ دون طالب إذ أن الاتجاه الحديث على حد وصف بروفسور بيار نتيجة خبرته من أميركا وأوروبا ولندن ولدى جزء لا بأس به من الباحثين في العالم العربي هو نشر البحث باسم المشرف والطالب سويًا وهذه سمة التطور. يصف البحث بأنه كل ما يستند إلى منهجيات علمية وأدوات محددة للتوصل إلى استنتاج، هذا يعني على حد تعبيره "إنه يجب استبعاد الكثير من الابحاث التي تنشر في دوريات خلال 24 ساعة دون مراجعة" مصنفًا إياها بأنها غنية لتعبئة صفحات في السيرة الذاتية والحل برأيه هو إزكاء الثقافة البحثية في المجتمع فمن ليس لديه ثقافة بحثية يكون على استعداد لقبول بهذه النماذج من البحث العلمي.

عندما يتحول التعليم العالي إلى نموذج تجاري يتحاسب النموذج على أساس الربح والخسارة في المردود وهذا خاطئ في سلّم التعليم

يترافق البحث بخدمة هذه الجامعات المجتمع وفق بروفسور بيار فيتم خلق كوادر بشرية قادرة على تنمية المجتمع فتكون عملية خلق الوظائف وجيل لديه معرفة، مبدع، ومواصفات قيادية ينمّيها الأستاذ عبر طرقه التعليمية. أما خدمة المجتمع عبر الابحاث أعقد من فكرة خدمة المجتمع بالمطلق على حد قول بيار فإنتاج البحث يجب أن يعود بالفائدة على الاقتصاد، المجتمع، فهم التاريخ، فالبحث دون فائدة مجتمعية لا قيمة عملية له، فيجب الربط بين الواقع والمنهجية والتاريخ العلمي واعادة انتاج قيمة يمكن صرفها بالمجتمع أي الدراسات تقترح معالجات محددة لمشاكل محددة والدراسة تتبناها مؤسسات سياسية ومؤسسات اجتماعية وسياسات عامة تطويرية.

 

 لهذا السبب يجب أن يكون للجامعة ميزانية للأبحاث محددًا أن 30 في المئة من الميزانية التعليمية يجب أن تذهب إلى الأبحاث مع تأمين محيط وهبات بحثية غير أن لبنان والعالم العربي يضج بالنماذج الهجينة مذكرًا بقول الشيخة موزة بن ناصر خلال النسخة الثامنة من مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم وايز 2017 تحت شعار "بين التعايش والإبداع نتعلم كيف نحيا ونعمل معاً" التي قالت فيه بأن: "التعليم خزانة الحلول، وجل ما اخشاه أن تكون هذه الخزانة قد أفلست (…) تريدون قضايا التعليم دائمًا إلى اختبار كل ما حولنا من ظواهر وتغيرات بم في ذلك اختبار التعليم نفسه" وأشارت إلى أن "التعليم الذي يصنع التقدم يواجه، آجلاً أو عاجلاً، تحديات على مستويات مختلفة، سياسية وإعلامية وثقافية وتكنولوجية، وقد بلغت التحديات أشدَها عندما بالغ الخطاب السياسي في مراوغاته وتماديه اللغوي، وما يصدّرهُ الخطاب الإعلامي من رؤيةٍ للأحداث بالنيابة عنا، وما نتج عن ثورة الإنترنت من خلق عالم افتراضي يتعامل مع الواقعِ بعلاقةٍ انتقائية تديم افتراضيته وتعرِض فكرة الحقيقة للمساءلة".

 

رد سبب القول هذا إلى أن تحويل المؤسسات الجامعية إلى مؤسسات تعمل وفق النموذج التجاري في قطاع الأعمال وهذا يهدد المشروعية الأخلاقية للجامعات لأنها خلقت لتنفق دون أن تربح فلإنتاج المعرفة والأبحاث وتحويلها لخدمة المجتمع هناك حاجة لاستثمار ضخم لا يأتي من أقساط التلامذة وإلا توقف التعليم على الأغنياء لذا يجب على الحكومة أن تقدم مساعدات حكومية للجامعات والجامعة يجب أن تخسر! عندما يتحول التعليم العالي إلى نموذج تجاري يتحاسب النموذج على أساس الربح والخسارة في المردود وهذا خاطئ في سلّم التعليم. وعن سؤال النائب محمد الدلال في الكويت الموجه إلى وزير التربية ووزير التعليم العالي د. حامد العازمي حول تردّي مستوى الجامعة الكويتية الوطنية في الترتيب العالمي ردّ السبب إلى تأخر الجامعات الوطنية في المطلق كما حال لبنان كذلك الأمر فالجامعات الوطنية يجب أن تدخل إلى علوم العصر، فيكون لهم استراتيجية تطوير من الدولة حول دورها، وتحدد اذا كانت المُنتج الرئيسي للبحث لأن الجامعات الخاصة تهتم بالأبحاث التي تتخصص بها أما الجامعة الوطنية فهي ممولة من الدولة بكل أقسامها علمًا أنه في لبنان لا يوجد ضريبة تدفعها الجامعات الخاصة وتذهب إلى ميزانية الأبحاث في الجامعة الوطنية كما حال بعض الدول العربية.

ستون سنة من عمل المجلس الوطني للبحوث العلمية، لم يقدم فيها أحد على تقديم اي هبة مالية، ولم نتلق اي وقفية لا من لبنان ولا من العالم العربي، لدعم برامج البحوث العلمية والمنح الجامعية للطلاب الفقراء

عامل جودة التعليم واختيار الأساتذة يدخل على خط التنافس بين الجامعات فكلما كان متعدد الاختصاصات من أفضل الجامعات العالمية كانت الأفضلية للأستاذ لكن يمكن أحيانًا ادخال الاستاذ "العالمي" على حياة التلميذ عبر التعلم عبر الانترنت، مما يمكن الطالب أكثر فأكثر. علمًا أن الاونلاين دون الاكاديميا لا يؤدي إلى نتيجة لأن النزعة التجارية قوية إلا أن التعليم عبر الانترنت يمكن أن يكون عنصر مكمّل لمحركات البحث العلمي.

التعليم عبر الانترنت أساسًا هو استمرار للتعليم بالتواصل أي تغيير في نمط التعلم الكلاسيكي ومع الانترنت بدء عصر تطوير الطرق التعليمية غير التقليدية لذوي الاحتياجات الخاصة أو ذوي الصعوبات التعليمية او ذوي السلوك الفعل السلبي للتعليم ضمن مجموعة، فتم تطوير برامج في الولايات المتحدة لهذه الفئة تتضمن وسائل سمعية وبصرية للتعليم. مع تطور هذا الاتجاه وتحديد مشاكل هذه الطرق وتحسينها نشأ نموذج فأصبح هناك إمكانية لتعميمه على كل الفئات من الجمهور فيمكن التعلم عن بعد مهما كان السبب اكان الوقت، المال يمكن بذلك مشاهدة صفوف والتواصل مع الاستاذ وتقدم مشاريع وتحصيل شهادات دون المرور بالإطار الكلاسيكي للتعليم.

تحت مظلة التعليم عبر الإنترنت عشرات المنصات وأكثر أشهرهم edex coursera تسمح للراغب بالتخصص والتحول إلى خبير وفيها أكثر من عشر الاف تخصص و30 ألف محاضرة عبر العالم. النظرية خلف هذه النظرة للتعليم أن الجامعات ما عادت تتحمل على حد وصف بروفسور بيار، المتخصص كذلك الامر بالتعليم عبر الانترنت من جامعة كاليفورنا ارفاين، فاذا كان كل ما ندرسه سيتحول لاختصاصات جامعية لا يمكن للجامعة أن تؤمن اساتذة فلا يوجد كوادر تعليمية علما أن هذه التخصصات أكاديميا لا قيمة لها أي لا اعتراف بها من وزارة التربية لكن عمليًا قيمتها في سوق العمل للترقي واكتساب مهارة.

 

هكذا بين ضعف الجامعات في إنتاج الأبحاث، يبدو أن خزانة الدراسات هي ما تفلس. فلم لا تبحث الجامعات عن مصدر تمويل لدعم الجامعات؟ يبدو أن الجامعة اللبنانية الأفقر لا من حيث الافكار بل من حيث الموارد المالية إّذ على تصريح الدكتور معين حمزة لإذاعة الشرق "ستون سنة من عمل المجلس الوطني للبحوث العلمية، لم يقدم فيها أحد على تقديم اي هبة مالية، ولم نتلق اي وقفية لا من لبنان ولا من العالم العربي، لدعم برامج البحوث العلمية والمنح الجامعية للطلاب الفقراء، أو في برامج نستثمر فيها بإمكانياتنا العادية في خلق الشخصية الوطنية العلمية والاكاديمية الحديثة، وهي برامج في التنمية المستدامة وفي اشكال حديثة من الانتاج الحضاري. وللأسف لم نسمع للان بأحد في القطاع الخاص ولدى رجال الاعمال، يوظف في عمل هذا المجلس وانتاجه الحضاري وابحاثه الاستشارية على المستويات كافة". هل يدعم العالم العربي الدولة اللبنانية لتقود سباق التعلم؟ 



حول هذه القصة

هي عاملة تنظيفات لكنها لا تريد من ابنها نجم منتخب إنجلترا الذي بات يمتلك عشرات الملايين من الدولارات، أي شيء غير احتضانه وإخباره بأنها فخورة به.

10/7/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة