شعار قسم مدونات

مفهوم الشرف في لحظات الولادة والنشأة

blogs الشرف

تفكرت يوماً في مفهوم الشرف، كيف وُلد، وما كان يعني في أثناء ولادته، وبعدها..؟ في بعض الأحيان، يتفرع سؤال من الأسئلة فينشطر إلى أضعاف، فيغدو البحث عن الإجابة بحثاً عن إجابات، فتضيع البوصلة، وتُفقَد الاتجاهات، ونسير في صحراء من رمال الأسئلة، فتفشل مساعي مماسة أرض الحقيقة، إذ كثبان رمال سؤالاتنا حالت دون اللقاء. وإنّ الساعي إلى تقفّي أثر الحكمة في الثقافة والتراث الإسلاميَّيْن قبل أن تهبَّ عليها رياح السَّموم من صحاري العرب، يجدها أنّى سعى، من غير ما احتياج إلى تعليم أرِسطو ولا إلى تلقين أفلاطون، وليس عدم الاحتياج إنكاراً للفضل بل إيضاحٌ لعدم الافتقار، وليس عدم الافتقار غِنى بقدر ما هو نقيضٌ للافتقار ليس غير، والإنصافُ عزيز.

لقد تكلم في ذلك المعنى –أي تفرُّعِ السؤال إلى غصون عسيرة الإحصاء- شيخ المعتزلة إبراهيم بن سيار أبو إسحاق النظّام، فقال في واقعية وإيجاز: "مَن أراد أن يعرف كل شيء، فينبغي لأهله أن يداووه"، لذا فقد رأيت الاقتصار على السؤال الأول والاكتفاء به: كيف وُلد هذا المفهوم؟ إن اعتقادنا في كون الشرف غريزة فطرية في نفس الإنسان، وفي الكائن الحي بعامة، قد يكون رأياً شرعياً له نصوصه –لا بالمعنى الأصولي للنص-، لكننا نفضل في السوسيولوجيا (علم الاجتماع) بل نؤكد دائماً، على أن تكون الدراسة الإمبيريقية (أي التجريبية) بمنأى عن العقائد النقلية؛ لأن الأولى تثبت بالتجربة والملاحظة، وليس هذا فصلا للدين عن الحياة بقدر ما هو فصل لمعطيات الدين عن معطيات المعرفة وأبواب العلوم، فليس الناهل من الأديان الأخرى كالبوذية، ولا المعتقد بالفلسفات البعيدة –أي عن الإطار المعرفي الذي نعيش ونعرف- كالكونفوشيوسية، بمجبَر على التسليم ببدهياتنا النقلية، وهذا ظاهر واضح لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان.

في أثناء الانتقال من مجتمعات الصيد إلى الزراعة، تغيرت كثير من المفاهيم، وانقلبت رذائلُ عديدةٌ فضائلَ؛ فصار الدأب على العمل ألزمَ للحياة من الشجاعة

إنما علم الاجتماع باحثٌ عن كل حقيقة سوسيولوجية متبوعة بالدليل التجريبي أو التاريخي، وهو ما اتفقنا عليه مُذ أسِّس هذا العلم من قِبَل ابن خلدون أو قَبلَ ابن خلدون، لذلك، كل بحث أو محاولة بحث في السوسيولوجيا تبحث في المصطلح –المراد درسُه- من حيث هو طارئ على الاجتماع البشري في لحظة من اللحظات، حتى ولو كان "موجوداً بالقوة" قبل ذلك وفق فلسفة أو دين محددَين، لأن السوسيولوجيا بتعبير أجلى: تبدأ بالبحث من لحظة "الوجود بالفعل"، ومنها فقط.

ارتأت الدراسات الماركسية أن تقسّم تطور المجتمع إلى خمس مراحل، أهمها وما سيلزمنا هنا هما:
1- المرحلة المشاعية: وهي المرحلة الأولى للتطور البشري، إذ كان يعيش فيها البشر كالقطعان، يجمعون المحاصيل من الأراضي المشاع ويأكلون، لا يعرفون زراعةً ولا صناعةً ولا قيماً.

2- المرحلة الإقطاعية: وهي تلك المرحلة التي ساد فيها نظام يقوم في البيئات الزراعية على أساس علاقات معينة بين المالك الكبير والفلاحين المشتغلين في أرضه، تتسم أساساً بأنها علاقات تسلطية.

لاحظ الباحثون الماركسيون في بداية الانتقال إلى المرحلة الإقطاعية بروزاً لمفهوم الشرف، فكان المفهوم مساوقاً لمفهوم التملك، متوازياً معه، أي أن العصر الذي صار فيه للإنسان أرض وأغنام وأبقار وكوخ خاص به، صار فيه له أيضاً امرأةٌ أو بنتٌ خاصة به وله، فكان مفهوم الملكية علّةً لمفهوم الشرف، ولولا الملكية لما كان الشرف. قد لا نكون قد قنعنا بهذا التفسير كثيراً، ليس لأنه ماركسي فقط؛ بل لأن النفس البشرية لا تستسيغه بطبعها وتنفر منه، لكننا نغفل دائما قول أحد أعلام سيكولوجية الجمهور غوستاف لوبون: "إن الإنسان عاطفي قبل كل شيء"، وقال باسكال ما هو أعمق: "إن للقلب أسباباً وراء العقل، لا يدرك منها شيئا".

وقد سبقهما إلى هذا الرأي علمان من أعلام الفكر والفقه الإسلامي نطقا بلسان أفصح وبلاغة أحصف، إذ قال أبو عثمان الجاحظ: "قد علِمْنا جميعاً أن عقولَ اليونانيةِ فوقَ –أي أوعى من- الدِّيانة بالدهرية والاستبصار في عبادة البروج والكواكب، وعقول الهند فوقَ الديانة بطاعة البُدِّ -أي الوثن-. وعقول العرب فوق الدِّيانة بعبادة الأصنام والخشب المنجور والحجر المنصوب والصخرة المنحوتة. فداء المنشأ والتقليد داءٌ لا يُحْسِنُ علاجَه جالينُوس (كبير أطباء اليونان) ولا غيره من الأطباء، وتعظيمُ الكبراءِ، وتقليدُ الأسلاف، وإلْفُ دينِ الآباء، والأُنس بما لا يعرفون غيرَه يحتاجُ إلى علاج شديد، والكلام في هذا يطول."  وإلى جانبه قال الشافعي بيته الشهير:

وعينُ الرضا عن كل عيب كليلة.. ولكن عين السُّخط تبدي المساويا

وأحسب أن البوصلة التي أشرنا إليها في بداية المقال قد شرعت في الضياع، فلنعُد حيث وجب العود.. ولما بحثت أكثر فيه، وقعت على تفسير آخر قال أصحابه: إن مفهوم الشرف ظهر بظهور فكرة المهور قبل الزواج، فقد كان الزواج في العصور الأولى يُبتدأ بتسلل الرجل إلى خيمة الفتاة، حاملا بيده عصا يُتم من خلالها مهمة الخطف، فإذا وُفِّق في الخطف كانت له وإلا فلا.

 

ارتفعت منزلة المرأة لمشاركتها بمئات الأعمال في الدار  بعدما كانت عاطلة عن العمل، فهنا ظهرت للمرأة أهميةٌ من بعد التجاهل والاحتقار الذي عاشته سنين طويلة
ارتفعت منزلة المرأة لمشاركتها بمئات الأعمال في الدار  بعدما كانت عاطلة عن العمل، فهنا ظهرت للمرأة أهميةٌ من بعد التجاهل والاحتقار الذي عاشته سنين طويلة
 

أما بعد ذلك فصار الرجل يحمل هديةً بدل العصا، وصار يأتي في باكورة الصباح لا بُهمِ الليل؛ فنشأت من هنا فكرة المهر، ولوحظ أن المرأة البِكر تستحق مهراً أكثر من غيرها؛ باعتبارها غير متلقية للهدايا، ولا مخطوفة بالعصي في ماضيها، وهذا ضمنياً يعني أن بقاءها بِكراً يعني كونَها ثمينة، وكونها ثمينة يعني كون الشرف ثميناً. والشرف غالٍ كما نعرف.

تفسير آخر نقله ولديورانت في عمله الأسطوري (مباهج الفلسفة) فقال: في أثناء الانتقال من مجتمعات الصيد إلى الزراعة، تغيرت كثير من المفاهيم، وانقلبت رذائلُ عديدةٌ فضائلَ؛ فصار الدأب على العمل ألزمَ للحياة من الشجاعة، وغدا السِلم أنفعَ من الحرب، وارتفعت منزلة المرأة لمشاركتها بمئات الأعمال في الدار والحصد بعدما كانت عاطلة عن العمل في مجتمع الصيد، فهنا ظهرت للمرأة أهميةٌ من بعد التجاهل والاحتقار الذي عاشته سنين طويلة، وارتفعت قيم كالشرف، والأمومة حتى، إلى مرتبة القداسة.

يبقى كل هذا الكلام قراءةً، ونتاج قراءة، وطريق نظر، والقراءة في شقها الفلسفي هي محاولة الفهم والسعي نحوه، وقد نقل فيلسوف الأدباء أبو حيان التوحيدي عبارة غامضة عابرة في (الإمتاع والمؤانسة) إذ قال: "وإنَّ الكلام في الكلام من أصعب الكلام"، والقراءة هي وعي الكلام المقروء ودركُه، أما في الشق العربي اللغوي فمن معاني القراءة: الضم، ويُقصد به ضم الحروف إلى بعضها ليس غير، لكن معنى أعمقَ قد يكون ثاوياً وراء هذه اللفظة وأدنى من سابقه إلى الصحة، وهو أن تعنيَ الضمَّ على اعتبار كون فعل القراءة ضَمّاً للمعاني تقريباً للأفاهيم والفِكَرِ بعضها إلى بعض سعياً إلى تحقيق الوعي والإدراك. وقد كان الفلاسفة الهيرمينوطيقيون يقولون: كل قراءة هي تأويل، وكل تأويل هو توقع، وكل توقع هو نوع بحث، وكل بحث قراءة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.