شعار قسم مدونات

درس "شاليط" لم يكتمل.. إسرائيل تُعيد الكرّة!

BLOGS نتنياهو

تُظهر السياسات التي تنتهجها حكومة الاحتلال "الإسرائيلي" بمختلف أروقتها؛ السياسية والعسكرية والأمنية، أن تل أبيب "لم تعي تمامًا الدرس" من عملية أسر الجندي السابق في جيشها جلعاد شاليط؛ والذي مكث في قبضة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة نحو 5 سنوات ينقصها عدة شهور، قبل أن يخرج ليرى "حريته" بتحرر أكثر من ألف أسير فلسطيني من سجون الاحتلال، أكثر من نصفهم من ذوي الأحكام العالية والمؤبدات.

وقد أثبتت سياسات حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ عام 2006 أنها "فشلت في الدرس"، وحتى أنها لم تحصل إلا على علامة الرسوب، إن جاز التعبير. وباتت حكومات الاحتلال المتعاقبة تتبع نفس النهج "العنصري" مع الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس المحتلة، والداخل الفلسطيني المحتل عام 48 أيضًا. فكيف لحكومة وكيان اختار سابقًا أن يدخل حروبًا ومعارك وحصار بشتى أنواعه على قطاع غزة، لكي يُعيد جنديًا واحدًا أسرته المقاومة، يُعيد ويُكرر ذات الأساليب "الفاشلة" مع شعبٍ بات يُدرك طرق وأساليب تحصيل حقوقه والحفاظ على ثوابت قضيته؟!

وقد أشارت تصريحات بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء في حكومة تل أبيب) ومن قبله أفيغدور ليبرمان (وزير حرب الاحتلال) إلى أنهما ذاهبان لـ "تشديد" الحصار على غزة ومنع خطوات "تحسين" أوضاع القطاع الإنسانية، بدعوى تضييق الخناق على حركة "حماس" لمنع إطلاق الطائرات والبالونات الحارقة من غزة، إلى جانب الكشف عن مصير جنود الاحتلال الذين أُسِرَ غالبيتهم من معارك دارت رحاها على تخوم قطاع غزة وبالزي العسكري ومن داخل آلياتهم العسكرية.

قام الاحتلال بإغلاق 5 معابر على حدود القطاع وأبقت معبر كرم أبو سالم مفتوحًا بشكل جزئي مع استمرار الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة، ومن شأن إغلاقه، التسبب في أزمة اقتصادية ومعيشية كبيرة في القطاع

وبالرجوع قليلًا بالذاكرة إلى الخلف، فقد اتبعت حكومة تل أبيب ذات الخطوات عام 2006 وضيقت الخناق أكثر على قطاع غزة بعد انتصار كتلة "التغيير والإصلاح" البرلمانية التابعة لحركة حماس في الانتخابات التشريعية الثانية بفلسطين المحتلة (أجريت في يناير 2006) وتشكيلها للحكومة الفلسطينية العاشرة برئاسة الأستاذ إسماعيل هنية (رئيس المكتب السياسي لحماس حاليًا).. فحصلت على صفر نتيجة.

فقد أسرت كتائب القسام (الذراع العسكري لحماس) وفصيل مقاوم آخر، الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط من داخل دبابة إسرائيلية "محصنة" كانت بداخل معسكر لجيش الاحتلال على الحدود مع غزة؛ في حزيران/ يونيو 2006، أي بعد الحصار بـ 5 شهور تقريبًا، وما اسطاعت كل "إسرائيل" بما تملك من خبرات وجيش وأدوات وطرق وتنسيق أمني من الحصول حتى على معلومة واحدة عن شاليط، إلا بعد تلبية شروط المقاومة والرضوخ في صفقة تبادل (أطلق عليها لاحقًا اسم وفاء الأحرار) مرّغت أنف حكومة الاحتلال بالتراب وأسقطتها عن الشجرة في حفرة لم تخرج منها حتى يومنا هذا، خاصة إذا ما تذكرنا أن المقاومة الفلسطينية في جعبتها "صندوق أسود" لم تكشف ماهيته منذ عدة سنوات.

إذن ما الفائدة من الرجوع لذات السياسة؟! بالإشارة إلى ما سبق وما يعانيه قطاع غزة الآن، من حصار وأوضاع إنسانية غاية في الصعوبة، نستطيع القول إن الوضع العربي والإقليمي والدولي في محيط فلسطين وما يُروَّج له دونالد ترمب وفريقه الذي صال وجال بجولات مكوكية في الشرق الأوسط للترويج لـ "خطة السلام" التي أعدها البيت الأبيض (ما تعرف بـ "صفقة القرن")، إلى جانب محاربة السلطة الفلسطينية لقطاع غزة؛ الذي بدأت منه في الإعداد للدولة عندما وقعت اتفاق أوسلو بمختلف مكنوناته السياسية والاقتصادية والأمنية، كل ذلك بالإضافة لتغييب الضفة الغربية عن مكانتها، شجّع الاحتلال على إعادته لذات السياسية التي فشلت فيها حكوماته على مدار 12 عامًا؛ هي سنوات حصار غزة ومحاولة تركيع أهلها ومقاومتها.

وكان الإعلام العبري قد نقل يوم 9 تموز/ يوليو الجاري، عن بنيامين نتنياهو قوله "سنُغلق معبر كرم أبو سالم ردًّا على استمرار إطلاق الطائرات الورقية من غزة". منوهًا لوجود خطوات أخرى ستتخذها حكومته (لم يذكرها) في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه الآن (في الإشارة لمسيرات العودة وفعالياتها وقضية الجنود الأسرى في قطاع غزة والمتواصلة منذ 30 آذار/ مارس المنصرم). وأعلن جيش الاحتلال قبل ذلك عن منع ووقف عمليات الاستيراد والتصدير عبر مكبر كرم أبو سالم التجاري حتى إشعار آخر.

ويعتبر معبر "كرم أبو سالم" المعبر التجاري الوحيد الذي يربط قطاع غزة بالعالم الخارجي وذلك بعدما قام الاحتلال بإغلاق 5 معابر مشابهة على حدود القطاع وأبقت هذا المعبر مفتوحًا بشكل جزئي مع استمرار الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة، ومن شأن إغلاقه، التسبب في أزمة اقتصادية ومعيشية كبيرة في القطاع. واستثنى القرار الإسرائيلي، من قرار الإغلاق السماح بدخول مواد إنسانية بما فيها الغذاء والدواء والتي ستتم المصادقة عليها بشكل فردي من قبل منسق أنشطة الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.

وفي خطوة تدل على تباين الآراء داخل مؤسسات الاحتلال، وربما رفض العودة لتجارب سابقة مع قطاع غزة؛ أبرزها الاغتيالات وتشديد الحصار. أوردت صحيفة "معاريف" العبرية صباح الـ 10 من تموز الجاري، خبرًا مفاده بأن مسؤولين في جيش الاحتلال يرفضون توجيه ضربة لحركة حماس بسبب الطائرات الورقية الحارقة التي تُطلق من قطاع غزة باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 أو ما تُعرف بـ "مستوطنات غلاف غزة". وقد ذكرت معاريف أن أفيغدور ليبرمان يطالب الجيش بالتحضير لتنفيذ "خطوة مؤلمة" ضد حماس لاستعادة الردع؛ قبل أن يرد عليه مسؤولون بالجيش بالقول: "لن نذهب للحرب بسبب الطائرات الورقية". وأدخل الشبان الفلسطينيون منذ انطلاق مسيرات العودة "الطائرات والبالونات الحارقة" كأداة جديدة في المواجهة، وهو ما أسفر عنه إحراق مساحات شاسعة من أحراش المستوطنين في محيط قطاع غزة، كبدهم خسائر مالية بالغة.

الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ العام 2006، قد تسبب بأزمات وتداعيات كارثية على سكان القطاع
الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ العام 2006، قد تسبب بأزمات وتداعيات كارثية على سكان القطاع
 

وحسب آخر إحصائية إسرائيلية، فإن الخسائر الاقتصادية من وراء الطائرات الورقية الحارقة المنطلقة من قطاع غزة، بلغت حتى الآن نحو 8.5 ملايين شيكل (2.5 مليون دولار).‎ وأضافت الصحيفة العبرية: "يدرك الجيش متأخرًا أنه من المستحيل الاستمرار في الوضع الحالي في الجنوب (قطاع غزة)، واقتنعوا أننا وصلنا إلى نقطة الجمود، في إسرائيل يحاولون إعادة المبادرة إلى أيديهم والتقدم خطوة واحدة ضد حماس والضغط على القناة الاقتصادية نحوها".

ونوهت معاريف: "جميع الوسائل فشلت ضد حماس، والأخيرة ليس لديها ما تخسره ومستعدة للمغامرة بجولة أخرى، الصراع في غزة ليس سوى مسألة وقت، حماس وإسرائيل تستعدان للمواجهة". كل ما سبق يؤكد أن حكومات الاحتلال المتعاقبة لم تُفلح سياساتها في التعامل مع قطاع غزة، وانصاعت (إن جاز التعبير) في نهاية المطاف لمطالب المقاومة الفلسطينية في غزة.

عام 2014 و2012 و2009، نفذت طائرات الاحتلال ضربات جوية "قاسية" لغزة، راح ضحيتها آلاف الشهداء، أبرزهم أحمد الجعبري؛ نائب القائد العام لكتائب القسام والقائد الفعلي على الأرض حينها. فما كان ردّ المقاومة إلا أن دكت مدنًا في الداخل المحتل بصواريخ عجزت تكنولوجيا تل أبيب المتقدمة عن التعامل معها في غالب الأحيان.

ووفقًا لمصادر طبية رسمية، فإن الحروب على قطاع غزة أودت بحياة 3 آلاف و920 فلسطينيًا. وتركت تلك الحروب القطاع رقعة أرض تستحيل معها الحياة. ويتواصل الحصار بمختلف أشكاله على غزة منذ 12 عامًا؛ والذي أسفر هو الآخر عن وفاة المئات من الفلسطينيين بسبب نقص الأدوية والحليب وكثير من المواد الأساسية.

يذكر أن الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ العام 2006، قد تسبب بأزمات وتداعيات كارثية على سكان القطاع، ووفقًا لتقارير أوروبية فإن 40 في المائة من سكان غزة، البالغ عددهم 2 مليون نسمة تقريبًا، يقعون تحت خط الفقر، فيما يتلقى 80 في المائة منهم مساعدات إغاثية نتيجة الحصار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.