جلسة قبل مئة عام..!

blogs - 87-1

قبل مئة سنة وما يزيد كان جدي ينتقل من قريته الكائنة قُرب اللد إلى يافا وعكا ومرورًا ببيروت ودمشق ونزولاً إلى السلط ومن ثم إلى القدس ليختم به تنقله الترحال الذي كان يزور به مُدنه وأرضه وأبناء عروبته، كان أغلب العرب في ذلك الزمان يحبون التنقل بين المدن وخاصة من سكنوا بلاد الشام فأن أي أحد منهم إذا زار اسوار عكا أو مرّا بشوارع بيروت أو شمّ رائحة الشام أو نزل ليصلي بالمسجد الأقصى، لاشتاق في رحيله عن أي مما ذكرت بعد ساعات من الفراق. 

وكان ما يساعد أهل الشام على التنقل في أواخر عهده مفتوح الحواجز، سكة الحجاز التي نصبتها الدولة العثمانية ، تلك الدولة التي يصفها البعض بالمحتل للعرب أو الدولة العثمانية حاضنة العرب، ليس مَعرض حديثي عن الدولة العثمانية لكن سكة القطار التي انشاؤها كانت تزيد من ترابط اهل الشام وتقربهم من اهل الحجاز ونجد واليمن، لكن ما فرحت العرب به أيامًا إنهال عليها سنوات من الأسى، فقد حظيَ الوطن العربي بمخمورين عربيدين ليجلسوا إلى طاولة واحدة كلُ منهم يتكلم لغة مختلفة عن الأخرى ليضعوا خريطة بيضاء الخط، خضراء التضاريس وبنية الملامح، ليجلب احدهم مسطرة طويلة تصل إلى عنق من يقابلها تكاد تخنقه، ويخطط بقلمٌ شديد السواد خط بين القدس والسلط وبين بيروت ودمشق وبين القاهرة وطرابلس وبين تونس والدار البيضاء وبين اليمن والمدينة وبين مكة وعمان وبين الفرات والنيل وبغداد وحلب، وبعدها يقسم الوطن العربي إلى أثنا عشر قطعة جغرافية مرقمة ليجلس من رسم مقابل الآخر رامياً قطعة النرد. 

 

إن قريتك قد هُدمت وأن القدس قد قُسمت وأن دمشق قد تأكلت وأن الفرات قد أُشبع دمًا

يلتقط الآخر حجر النرد وقائلاً بكل تعجرف وكبرياء: أنا صاحب الحق في النصيب الأكبر فنحن اصاحب الأرض فيبسط يده على ما يشاء من تلك القطع الجغرافية بالخريطة ويلونها باللون الاحمر، فيصمت الثاني ويقول لك ذلك وأنا لي تلك القطع ذو اللون الأصفر.

 
وبتلك الجلسة طار حُلم جدي بالذهاب إلى دمشق من جديد ولم يعد بمقدوره الذهاب إلى شوارع بيروت حيثما شاء، حتى أنه من الصعب أن ينزل إلى السلط حتى أنه أصبح لا يطيق الخروج من قريته، لأنه لم يتعود على أن يمنع من زيارة أرضه وأبناء عروبته، مسكينٌ جدي لا يدري أنه اليوم لا يمكن العبور بين أي من تلك المدن الذي زارها من غير تأشيرة استسلام لتلك الجلسة ويكافح ويحارب من أجل الحصول عليها.

  
حتى أنه اصبحت الزيارة إلى قريتك يا جدي أصعب من أن تقطع المحيطات في زمنك، فإن قريتك قد هُدمت وأن القدس قد قُسمت وأن دمشق قد تأكلت وأن الفرات قد أُشبع دمًا وأن النيل قد جفَ وأن اليمن زادت تعاسته وأن ابواب مكة أغلقت، حتى أنه يا جدي أصبحت كل رقعة مستقلة عن غيرها وكل من تلك الرقع تقف وقوف الند لخصمه، وما بقي من عهد النخوة والرجولة إلا القليل متوزعون ببعض الأنحاء، وما حصدته مشناق بيروت من رقاب لا يساوي شيئًا مما يحصده الأن كل ذي صاحب رقعة وكلً له حجته أما القضاء على الإرهاب وأما القضاء على المؤامرات وأما القضاء على الإنسان.

   
لكن لا تيأس يا جدي فأن هنالك أطفال يحاربون سلاحًا بحجارة في غزة يا جدي، تلك المدينة التي على البحر كنت قد زرتها بأحد رحلاتك إلى القاهرة، بها شعبٌ يرفض الاستسلام وأيضاً بالقاهرة يوجد جيل ينشئ على ظهور انكساراتهم، وفي حلب ودمشق هناك من انتهى القصف على رأسه وبدأ يرسم لمستقبل يسترد به أرضه مما قصفه وهنالك في طرابلس ليبيا يبدؤون كأنه سيفقدون ما أجج حربهم على أنفسهم، وفي عمّان يزدهر عقول أبنائها رويدًا رويدا.