لبيد بن ربيعة.. حينما أذهل القرآن قلب أفضل الشعراء

أتعرف ماذا يعني أن تكون شاعراً من شعراء المعلّقات؟ يعني أنّ الناس ما برحت تتغنّى بشعرك منذ ألف وخمسمائة عام، يعني أنّك واحد من عشرة فحول من فحول الشعراء الذين لا يبتدئ دارسٌ للأدب دراسته قبل المرور على ساحتك، وتصفّح أشعارك، وتقصّي أخبارك وأيّامك. ألا يكفي لبيداً من العظمة أنهم إذا أرادوا أن يبالغوا في مدح شاعرية شاعر أن يقولوا: "أشعر من لبيد".

ألم تقرأ قول الإمام الشافعي -رحمه الله- في ديوانه: ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد.. الحديث عن تراثنا الشعريّ الخالد حديث ذو شجون، وإن الذوّاق للأدب والشعر – إن تخطّى عوائق اللغة- لن يجد ألذّ ولا أبهى ولا أفصح لغة ولا أعلى بياناً من شعر الجاهليّة الأولى.

لن أطيل عليك أيّها القارئ في التمهيد  -وقد فعلت- ولكنّي أردت أن أوطّئ الكلام للحديث عن ملمح، وعن لفتة جوهرية في حياة فحل من فحول الشعر، وصحابي من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. لبيد بن ربيعة العامريّ شاعر أدرك الجاهلية والإسلام، وهو ما يسمّى في لغة العصر بالشاعر المخضرم، ولكنّ لبيداً ذلك الفحل الشاعر الكبير قد اعتزل الشعر بعد الإسلام!

عاش لبيد طويلاً بعد دخوله في الإسلام، لكنّه بقي ثابتاً على موقفه باعتزال الشعر بشكل كلّي أو جزئيّ

السؤال الذي يطرأ على الذهن "لماذا"؟ لم يحرّم الإسلام الشعر، بل على العكس فإن الكلمة كانت السلاح الأمضى، بل كانت كلمات حسان بن ثابت (شاعر رسول الله) أشدّ عليهم من وقع النبل، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شجّع حسّان فقال له: "اهجهم وروح القدس معك".

وكان إلى جانب حسّان كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، أمّا لبيد فقد تأخّر إسلامه، ولكنّه مع تأخره في الإسلام لم يقل شعراً أو إنه لم يقل إلا نزراً قليلاً من الشعر على الصحيح من أقول الرواة والمحقّقين. إذا كان الشعر سلاحاً فعّالاً في معركة الإسلام فلماذا يحرم لبيد نفسه شرف الدخول في هذه المعركة الإعلامية وهو الشاعر الفحل؟

عمر بن الخطاب ولبيد بن ربيعة:

من يقرأ تاريخ عمر –رضي الله عنه – يعرف أنّه كان شديد الاهتمام بالعربية وما يتّصل بها من آداب ولغة، فمن المشهور على سبيل المثال أنّه كان يضرب على اللحن، وكان يقول: تعلّموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة. وكان عمر – رضي الله عنه – يعجبه شعر العرب وأيّامهم، ويذكر الرواة ومحقّقو ديوان لبيد أن عمر أرسل يستنشد لبيداً الشعر، فما كان من لبيد إلا أن كتب سورة البقرة وأرسلها لعمر قائلاً: أبدلني الله هذه في الإسلام مكان الشعر.

ورائيات

عاش لبيد طويلاً بعد دخوله في الإسلام، لكنّه بقي ثابتاً على موقفه باعتزال الشعر بشكل كلّي أو جزئيّ، بل إنّه بلغ التسعين فقال: ولقد سئمتُ من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيدُ؟ لكي نفهم موقف لبيد يجب علينا ألّا ننسى أن الشعر نوع من أنواع الفنّ، بل إنه بالتعبير الأدقّ فنّ غنائيّ، وإن الفنّ بأبسط تعريفاته هو الجمال الذي يصنعه البشر، لكن هذا الجمال محكوم لأحوال نفسانية روحية، بل ومزاجيّة – إن صحّ التعبير-.

سكن حبّ الكتاب العزيز قلب لبيد، وملك عليه جوارحه، فلم يترك في قلبه قدر قلامة حبّاً لغيره
 

لا أحد يستطيع أن يفهم – بما فيهم الشاعر نفسه – لماذا يهجم الإلهام في لحظة على الشاعر هجوم السيول على الوهاد، ولماذا يُعرض عن الشعراء كإعراض معشوقات الشعراء العذريين عن وصال عشّاقهم، ألم يقل الفرزدق: أنا أشعر الناس عند اليأس وقد يأتي عليّ الحين، لخلع ضرس أهون عليّ من قول بيت من الشعر.

فإبداع الفنّ قضيّة مزاج بالدرجة الأولى، ولبيد –رضي الله عنه- حين عاين عظمة القرآن وقف مذهولاً أمام فخامة بيانه، وجودة سبك كلماته، وانتظام معانيه، وعلوّ بلاغته. القرآن جعل لبيداً يتصاغر كلّ قول يُنسب إلى الفصاحة والبلاغة، وكأن لبيداً عاش بحقّ ذلك الكلام الذي لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، وكأنه أحسّ بحق ب "قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا".

سكن حبّ الكتاب العزيز قلب لبيد، وملك عليه جوارحه، فلم يترك في قلبه قدر قلامة حبّاً لغيره، فكلّما هبّ ليقول شعراً تذكّر عهده القديم مع أجمل كلام سمعه، نعم لا يريد لبيد لشيء غير القرآن أن ينافسه في قلبه ولا ذاكرته. قضى لبيد بعد أن عمّر مائة عام أو أكثر، قضى لبيد ولم يذكر الرواة سوى القليل من الأبيات قالها بين أحايين متباعدة، قضى لبيد لتعلن حياته الاستسلام أمام أعظم بيان عرفته البشرية، ألا وهو القرآن الكريم.



حول هذه القصة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه قد يلتقي نظيره الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي بعد قمة حلف الناتو ببروكسل الشهر القادم، وإنه سيبحث خلال اللقاء قضايا سوريا وأوكرانيا.

28/6/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة