الإنسان والأخلاق.. الشوق إلى عالم مجهول

blogs السلام

بإمكاننا أن نشاهد رجل دين صاحب جُبّةٍ عريضةٍ وسُبحةٍ طويلةٍ أو كما قال الشيخ علي طنطاوي (صاحب عمامة كالبرج وكُم جبّة كالخرج) ولكن يفتقر إلى كثير من الأخلاق الأساسية أو بشكل أكثر شعبية "أخلاقه سكر خفيف" والعكس صحيح بالتأكيد؛ هذا الأمر يكاد يكون اعتياديا في مجتمعاتنا وبشكل لا يمكن إخفاءه، وهذا يمكن تفسيره بشكل مبسط وهو أن الدين هو المعرفة، والأخلاق هي ممارسة هذه المعرفة، أو هي الحياة التي يحياها الإنسان وفقاً لهذه المعرفة؛ إن بقاء هذه المعرفة حبيسة العقل والوجدان بينما ليس لها أثر على سلوك الإنسان في الحياة الخاصة وربما العامة والعجز عن تحقيق الإيمان ومتطلباته هو ما يظهره بهذا المظهر.

الدين إجابةٌ على سؤال كيف نفكر؟ وهذا ضرورةٌ لنحدد موقفاً من وجودنا، وكيف نؤمن؟ وهو بذلك يكسر الحيرة التي تكتنف الإنسان باعتباره كائناً روحياً دائم البحث عن ذاته من خلال محيطه وعن محيطه من خلال ذاته، بينما الأخلاق إجابة عن سؤال كيف نحيا؟ وكيف نتحكم بشهواتنا ورغباتنا؟ وكيف نتصرف رجاء تحقيق غاية أسمى؟ 

ولهذا تنطوي إلهامات عالم الغيب الذي يُمثلها الدين ويَتَنزّل بها الروح بإذن الله على رسل وأنبياء غايتهم هي تحقيقها وإنجازها في عالم الشهادة بقصد أن نحيا وفق هذه الرؤية الكونية الواسعة اللامتناهية، وهي معرفةٌ ينتجها الدين ويُشرعنها ويضفي صفة التقديس عليها وفعل قويم تنتجه الأخلاق ويكون مرآة تعكس حقيقة الإيمان وكلاهما يفرز الآخر، ففي قول الله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) نجد اقترانا واضحاً بين الإيمان والعمل الصالح بل تَكرر ذلك في القرآن عشرات المرات إما بصيغة متشابهة أو بما يتطابق في المعنى، كأنما تؤكد لنا هذه الآيات على ضرورة توحيد أمرين إعتاد الناس على الفصل بينهما، بل تؤكد لنا في الوقت ذاته على أن هناك فرقاً بينهما وعلى هذا الأساس تأمر بوجوب أن يسيرا معاً.

الأخلاق كمبدأ لا يمكن أن تُوجد دون دين ولكن كممارسة وسلوك لا تعتمد بشكل مباشر على التّديّن

لكن ورغم وجود هذه الرؤية الشاملة إلا أن هناك تناقضاً حاداً يظهر بينها وبين مطلب الدين في أن نحيا عليها وننقلها إلى واقعنا وذواتنا، فعلى سبيل المثال جاء الإسلام بأخلاق أقل ما يقال فيها أنها في منتهى السمو والرفعة إلا أن كثيراً من الجماعات المسلمة خلال العصر الممتد للإسلام مارست الظلم والإجرام والفساد رغم أنها كانت مخلصة لعقيدتها وليس هذا يقتصر على الإسلام بل نجد ذلك في المسيحية فمثلاً نجد أن محاكم التفتيش الأوروبية مارست الاضطهاد الديني على الرغم من التعاليم السامية التي جاء بها عيسى عليه السلام والتي تدعو إلى السلام والأخلاق، لكن وبرغم ذلك فإن الإسلام يعترف بهذا التناقض وحالة عدم التطابق بين مطلبه ورؤيته للاقتران الإيمان بالأخلاق ويظهر مثلاً في اعتباره أن قدرة المؤمن على إنجاز العمل الصالح هي مآثره عظيمة توجب الثواب والتكريم في الآخرة (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ).

هل تنتج الأخلاق تديّناً؟

الأخلاق كمبدأ لا يمكن أن تُوجد دون دين ولكن كممارسة وسلوك لا تعتمد بشكل مباشر على التّديّن ومن المؤكد أن أي بعث أخلاقي على مستوى الفرد أو الجماعة يسبقه يقَضةٌ دينية فالأخلاق إنما هي دين تحول إلى سلوك وتصرف، وبالعكس فالممارسة الأخلاقية قد تكون حافزاً قوياً على التديّن فالله تعالى يقول (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون)، (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).

وفِي هذا جواب لسؤال كيف تُقَوي إيمانك؟ والجواب اعمل صالحاً تؤمن، بل مارس الخُلق تجد الله معك، ومعنى ذلك أن الأخلاق قد تُنتج تديّنا. بل إن الأخلاق هي واجهة أصيلة للتديّن، فنحن نحكم على تديّن الإنسان من خلال سلوكه وأخلاقه وتعاملاته وليس العكس.

من الممكن أن يظهر الإنسان في موقف الضعيف بسبب التزامه الأخلاقي في عالم يكسر الأخلاق ويستضعف الخلوق إلا أن ذلك مبرر غير كاف ليتنمر الإنسان على أخلاقه
من الممكن أن يظهر الإنسان في موقف الضعيف بسبب التزامه الأخلاقي في عالم يكسر الأخلاق ويستضعف الخلوق إلا أن ذلك مبرر غير كاف ليتنمر الإنسان على أخلاقه
 

لا تكفي هذه التّدوينة ولا أضعافها لتحديد أو وصف الأخلاق كمصطلح واسع وفرداني أو كعلاقات مع الدين فهو شيء متعذر التحديد أو القولبة، لكن علاقة الإنسان بهذه الثنائية علاقة دائمة لا تنتهي وإن لم يكن يشعر بذلك فحتى الإنسان البدائي كان دائم البحث عن عالم غير محسوس فالدين والأخلاق كما الفن تشبع رغبته الملازمة له وهي شوقه إلى عالم مجهول يجد فيه تعريفا لذاته فهو يُسمّي "دودة الأرض وابن السماء"، كائن مُشوش يخوض غمار المعضلات والمآسي ويواجه النقمة والقسوة ويجاهد في سبيل أخلاقه وأفكاره ومعتقداته ويبقى التساؤل شيئاً مركزياً في حياته والذي قد يؤدي به إلى معرفة ما لكن على الأغلب يؤدي إلى وعي بجهله أو تحويل جهله الذي لا يشعر به إلى جهل يعلم أنه جهل وشعور الأنسان بالدهشة والإعجاب حيال مواجهته للمجهول يمثل أسمى شكل من أشكال فهمه للحياة .

الحيوان لا يتمرد على مصيره الحيواني بعكس الإنسان فهو الوحيد الذي يتمرد على مصيره، إنه الحيوان الوحيد الذي يرفض أن يكون حيواناً، ولذا بالضرورة فإن الأخلاق تتوافق مع طبعه ومكنونه ولا تتعارض معها بل إن نفي وجود الدين أو الأخلاق يعني نفي أي إيمان حقيقي بالإنسان باعتباره قيمة عليا وينفي الإيمان بإنسانية الإنسان وباعتبار أن الإنسان يواجه العالم من خلال إنسانية لا من خلال أشياء أخرى.

ختاماً، من الممكن أن يظهر الإنسان في موقف الضعيف بسبب التزامه الأخلاقي في عالم يكسر الأخلاق ويستضعف الخلوق إلا أن ذلك مبرر غير كاف ليتنمر الإنسان على أخلاقه في مواجهة هذه الظروف وما أحدثته الحضارة في سلوك الإنسان، وهنا أستعير تعبير علي عزت بيجوفيتش "إن كانت الحضارة هي التغيير المستمر للعالم فإن الأخلاق هي التّخليق المستمر للذات".