هل أثبت الإنسان قدرته على حمل الأمانة؟

blogs قراءة القرآن

قال الله تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ…"، فقد أخبرنا تعالى بأنه عرض الأمانة -أي طاعته- على هذه المخلوقات، على أن يحصل من يقبل بحملها على الثواب والتشريف، ومن يحملها ثم يضيعها على الخزي والعقاب. فرفضت المخلوقات العرض هذا خوفًا من ألّا تقوم بالوظيفة. أما الإنسان -أي آدم كما في تفسير ابن عباس- فقد حملها وحملتها ذريته من بعده، وكان ما كان منهم؛ فمنهم من حملها كما أراد الله تعالى فحصل على الشرف والرِّفعة ثم الجنة، ومنهم من حملها ثم ضيعها فحق عليه ضَنَك الحياة ثم العقاب في الآخرة.

بعد هذا، كرَّم الله تعالى الإنسان لحمله الأمانة، فسخَّر له كل المخلوقات الأخرى -التي أبت حمل الأمانة- وسخرها لخدمته ومنفعته، فأصبح الإنسان سيد الموجودات. فاختلف حاله عن حال بقية المخلوقات، يقول تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ…". فأصبحت هذه المخلوقات خاضعة وعابدة لله بلا إرادة واختيار، وسارت وفق قوانين ثابتة -فيزيائية وكيميائية- أرادها خالقها لها، لا تتغير ولا تتبدل. أما الإنسان، فقد طلبَ منه الله تعالى العبادة ولكن ترك له حرية التمرد والخروج عن العبادة، فأصبح حينما يعبد، يعبد عن إرادة حرة وبلا إجبار، وهذا ما جعله مكرمًا مشرفًا.

يقول الله تعالى في خصوص المخلوقات -أي الكون-: "وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ…". والحق الذي خلق الله تعالى الكون فيه هو النظام بالغ الدقة والتوازن، فمثلًا يقول علماء الكونيات أن القيم الفيزيائية الثابتة Physical Cosmic Constants، مثل المسافة بين الأرض والشمس، لو تغيرت بمقدار صغير جدًا لفسدت الحياة على الأرض. فهذه المخلوقات خُلقت وهي تسير وفق منظومة قوانين دقيقة ومتوازنة وتعمل معًا بتناغم وتكامل وينتج منها كون متوازن وجميل كهذا. فهذه المخلوقات تعبد الله تعالى عبر سيرها والانقياد الثابت للقوانين التي وضعها الله عز وجل لها.

على الإنسان أن يعود هنا مرة أخرى ليتذكر قبوله لحمل الأمانة، ويتذكر العواقب الوخيمة المترتبة على حملها ثم إضاعتها، التي تظهر بأشكال وألوان مختلفة في الحياة

هذا فيما يخص حكم الله وقوانينه تعالى في المخلوقات الأخرى. أليس من باب أولى أن يحكم لنا وينزل لنا منظومة قوانين تجعل حياتنا وسيرنا فيها متوازنة وثابتة وصحية من غير فساد وتخلّف. وهذا ما اقتضت حكمته، فقد أنزل لنا هذا وقال: "إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ…". فهذا الحق كذاك، الخروج منه كخروج الكواكب عن مسارها.

منزِّل هذا الحق -الكتاب- هو ذاته منزِّل الحق -القوانين الفيزيائية والكيميائية – الذي خُلق وفقه الكون، وكما أن خروج الكواكب عن مسارها مثلًا سيؤدي إلى فساد الكون والحياة، أيضًا خروج الإنسان عن قوانين وقيم الكتاب سيؤدي إلى فساد الحياة الإنسانية؛ فيفسد الفرد الإنسان، وتفسد الأسرة، ويفسد المجتمع، ويستشري الظلم والانحطاط، وتفسد العلاقات بين الأفراد وبين الأُسر وبين الأمم؛ قال تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ…"، أي بخروجهم عن منظومة قوانين الكتاب "الحقّ".

فما الظلم الاقتصادي، والرجعية السياسية، والتخلف المعرفي الفكري، والانحطاط الأخلاقي، والتشرذم الاجتماعي إلا صور وأشكال تشبه نتائج خروج الكواكب (الذي نستطيع أن نتخيله فقط) عن مسارها الطبيعي الذي أراد لها خالقها أن تسير عليه، كلاهما خروج عن "الحق"، ولكن الفرق أن الكون لا يخرج عن هذا الحق الذي أراده الله له، ولكن الإنسان بإرادته وحريته يستطيع أن يتمرد ويخرج عن هذا الحق.

على الإنسان أن يعود هنا مرة أخرى ليتذكر قبوله لحمل الأمانة، ويتذكر العواقب الوخيمة المترتبة على حملها ثم إضاعتها، التي تظهر بأشكال وألوان مختلفة في الحياة كالذي ذكرت، غير العقاب يوم الحساب. ثم يبدأ حياته من جديد لكي يسير على المدار الدقيق الذي أراد له خالقه أن يسير عليه، بعد هذا تصبح حياة الإنسان سعيدة وجميلة وبديعة، كما هذا الكون بالضبط، جميل وبديع.