شعار قسم مدونات

عققتها قبل أن تعقني!

blogs رجل عجوز
دخل المعلم الفصل بنشاطه المعتاد، نظر برهة للتلميذات المفعمات بالحيوية، هذا آخر عام لهن في المرحلة الابتدائية، وتكاد تكون نهاية السنة الدراسية. ابتسم ثم قال لهن: "لا درس اليوم. سأطلب من كل واحدة منكن أن تأخذ أوراقا وتكتب شيئا من حياتها، شيئا واقعيا، شيئا دفينا لا تستطيع أن تتحدث عنه في الحياة اليومية. حاولن تفريغ ما بداخلكن من أحاسيس متراكمة. لا مجال للخجل هنا. كن صريحات جدا، لن أنشر ما سوف تكتبنه. هيا، إلى أقلامكن وأوراقكن !".. راح يراقب ردود أفعال التلميذات. أغلبهن كان يفكر طويلا، إلا منال، انهالت على الورقة تكتب دون توقف، كأنها ترتوي من نبع ماء، بعد عطش دام طويلا..

"قصتي تبدأ منذ أن كان عمري سبع سنوات. كنت طفلة عادية قبل ذلك. كنت أعيش مع أبي وأمي حياة هادئة. كان أبي يدللني، يلاعبني، يداعبني. كانت أمي تطرب من ضحكاتي المتعالية التي تملأ أرجاء البيت. كانت معجبة بقدرة أبي على محاكاة البهلوان كي يجعلني أضحك ملء فمي. كان ينصت إلي عندما أتحدث عن المدرسة. كان يقلق عندما يراني مضطربة النفس. كان يحكي لي حكاية قبل النوم. كان يعلمني القفز على الحبل ولعبة الشطرنج.

كل شيء تغير صبيحة ذلك العيد. لا أحب تذكره. مطلقا. وددت لو أني أمحوه من ذاكرتي، كأنه لم يكن يوما. كنت في قمة الفرح لأننا، ككل عيد، سنذهب لزيارة أجدادي. كنت قد ارتديت فستاني الأبيض الجديد، وكنت ألح على أمي أن تمشط لي شعري قبل أن يخرج أبي من الحمام، حتى أفاجئه بحلتي الجديدة ويطري علي كما يفعل دائما. كانت أمي منهمكة في وضع الحلي، أتأمل وجهها الجميل الصافي. هي إنسانة صموتة وحنونة، تحاول قدر جهدها تطييب خاطري وخاطر أبي.

لم تعد أمي تبتسم كعادتها. تغالب دمعا ألمحه في عينيها. كان الجو متوترا. أبي يحاول أن يكلمها، لكنها لا تجيب إلا بالإشارات. ظلت على هذه الحال طول ذاك اليوم

في تلك اللحظة، رن هاتف أبي. لم يكن من عادة أمي الاطلاع على هاتفه. ألححت عليها أن تجيب، قلت لها ربما قد يكون جدي أو عمي ليسأل عنا لم تأخرنا. وليتني لم أفعل. تناولت أمي الهاتف، توقف الرنين، لكني رأيتها واقفة وهي تقرأ في الهاتف لمدة طويلة. لوهلة خيل إلي أنها تمثال. لم تعد تسمع كلامي. أسألها: "أمي من؟ من؟". لكنها كانت غائبة عن الوعي. تغير لون وجهها في رمشة عين. سمعت أبي يخرج من الحمام، فوضعت الهاتف بهدوء. كنت أنتظرها أن تقول له شيئا. لكنها لم تتفوه بكلمة، طوال ذلك اليوم.

كان وجهها شاحبا. لم تعد تبتسم كعادتها. تغالب دمعا ألمحه في عينيها. كان الجو متوترا. أبي يحاول أن يكلمها، لكنها لا تجيب إلا بالإشارات. ظلت على هذه الحال طول ذاك اليوم. حاولت أن أفرح ذلك اليوم وألهو مع أبناء عمي ككل عيد، لكن منظر أمي أزعجني كثيرا. كنت أسترق النظر إلى وجهها كي أطمئن على حالها، لكن ذلك لم يكن ليزيدني إلا اضطرابا. كنت أحس أن شيئا ما سيحدث.

ظلت أمي على هذه الحال طيلة الأسبوعين المواليين. لم أر قط أبي وأمي يتشاجران. لكن في تلك الأيام، كان الصمت يسود البيت. كنت أحس بالبرود العاطفي. نجلس إلى المائدة نأكل في صمت. أبي لم يعد يمازحني كما كان يفعل في السابق. أصبح الجو مكهربا. لم تعد لدي رغبة في المدرسة ولا في اللعب ولا في الأكل. لم تعد لدي رغبة في الحياة أصلا. انعكست حالة أمي النفسية علي. وأصبحت أراني نسخة منها في المدرسة. لا أفكر إلا في شيئين: "ماذا جرى؟ وما الذي سيجري؟". سؤالان محيران. لم أجد من يجيبني عنهما. سؤالان لن تجيب عنهما إلا الأيام، وحدها.

ومرت الأيام. وجاءت العطلة الصيفية. رأيت أمي ذات صباح تحزم الحقائب التي جمعت فيها أهم أغراضنا. طلبت مني أن آخذ معي كل ما أود اصطحابه معي من الدمى والقصص والمجوهرات البلاستيكية. كانت عيناها منتفختان ووجنتاها محمرتان. كانت تبكي. أبي كان في العمل. سألتها هل سنذهب إلى بيت جدي، فأومأت لي برأسها. أحسست بفرح كما دائما. لكن الفرح لم يدم لأنه خالجني في تلك اللحظة إحساس غريب بعدم الأمان.

كان يوما صيفيا حارا. كان يوما طويلا. كنت ألعب بالدمى في القطار، إلى جانب أمي. كانت تضع نظارات سوداء. أرى دمعا ينساب على وجنتيها من وقت لآخر. سألتها إن كان أبي سيلتحق بنا. قالت لي كلا. حزنت لأني سأشتاق إليه وإلى ضماته الحنونة وعباراته المضحكة. تذكرت المدرسة، فقلت لها :"اتفقت أنا وصديقاتي أن نحكي لبعضنا البعض عن العطلة الصيفية، حين نلتقي مجددا في العام المقبل !" عندها نظرت إلي وقالت بنبرة حزينة :"اسمعي بنيتي، قد لا ترينهم مجددا." لم أفهم. لكنني أحسست. أحسست أن حياتي سوف تنقلب رأسا على عقب. ودخلنا بيت جدي. كان الجو كئيبا على غير العادة. صاروا يبالغون في الاهتمام بي. وبدأت التغييرات تطرأ على حياتي فعلا.

صار أبي يأتي لزيارتي مرة في الأسبوع. يصطحبني لأحد المقاهي ويجلس معي ثلاث ساعات. أصبح باردا تجاهي. أصبحت أحس به بعيدا رغم أنه جالس قبالتي. علمت فيما بعد أن بيتنا سكنته امرأة أخرى، وأن هذه المرأة أنجبت له طفلين، هما أخواي في الواقع. وفهمت أن أبي يقضي معهما الوقت كله، يداعبهما ويلاعبهما وضحكاتهما تملآن المكان، تماما كما كان يفعل معي. هما أخواي، لكنهما يرياني أبي كل مساء، وأنا أراه كل أسبوع.

لن أستسلم. قررت ذلك. سوف أدرس جيدا وسوف أبني مستقبلي. لن أنتظر رجلا يحملني على أكتافه. لن أعتمد على أحد. سوف أكون امرأة قوية
لن أستسلم. قررت ذلك. سوف أدرس جيدا وسوف أبني مستقبلي. لن أنتظر رجلا يحملني على أكتافه. لن أعتمد على أحد. سوف أكون امرأة قوية
 

صارت لنا غرفة أنا وأمي في الطابق العلوي من بيت جدي. أمي لم تعد تعطيني الوقت الكافي كما في السابق. اضطرت للعمل لكسب لقمة العيش وحتى لا تحس أنها عالة على أبيها. أمي لم تكمل دراستها الثانوية. الشيء الوحيد الذي استطاعت أن تفعله هو إعداد الحلويات وتسويقها. أصبحت أراها تسهر لساعة متأخرة حتى تتمكن من إعداد طلبات الزبائن في الموعد.

ذات يوم، سمعت جدي يحدث أمي في غرفة المعيشة. هممت بالالتحاق بهما، لكن لمجرد أن اقتربت من الغرفة فهمت أن الكلام عني. قال لها: "أقترح عليك أن تتزوجي مرة أخرى وتبني بيتا جديدا. ومنال اتركيها معنا، أنا أتكفل بها. لا تخافي، هي ابنتنا." انقبض قلبي. لم أنتظر حتى أسمع جواب أمي. هرعت إلى غرفتنا. بكيت. انتحبت. كدت أكسر كأسا موضوعة بجانب سريري. هل هذا معقول؟ هل تتركني أمي كما فعل ذلك أبي في السابق؟

ما دهاكم أيها الكبار؟ لم أنتم أنانيون لهذه الدرجة؟ ألا تهمكم إلا مصالحكم وشهواتكم؟ ألا تبصرون هذا الكائن الصغير الذي يحاول أن يفهم بالكاد هذا العالم المعقد والمليء بالنفاق والكذب والخيانة؟ ألا نعني لكم، نحن الأطفال، شيئا؟ لم أفهم، بعد أن كنت كل شيء في حياتهما.. جاء وقت أصبحت فيه لا شيء. لا شيء.

لكن.. رغم كل ذلك، لن أستسلم. قررت ذلك. سوف أدرس جيدا وسوف أبني مستقبلي. لن أنتظر رجلا يحملني على أكتافه. لن أعتمد على أحد. سوف أكون امرأة قوية. لست أحقد على أبي، ولا على أمي. بداخلي حب دفين تجاههما. أفهم أنهما لم يستطيعا توفير حياة مستقرة لي. أسامحهما."

سقطت دمعة على الورقة. كان الليل قد انتصف حين انتهى المعلم من قراءة ما كتبته منال. ذكرته بابنته التي تركها هو بدوره حين كانت طفلة. وكأنها هي التي كتبت هذا. تشابه كبير بين القصتين. تأثر كثيرا. هي الآن أستاذة جامعية بإحدى الجامعات الأمريكية. تخرجت ولم ترسل إليه دعوة كي يحضر حفل التخرج. تزوجت ولم تدعه أيضا لحفل الزفاف. نظر إلى الهاتف، الوقت صباحا عندهم. فكر أن يكلمها ويسأل عنها. تردد كثيرا. أمسك الهاتف وبدأ المكالمة. الهاتف يرن في الطرف الآخر من الكرة الأرضية. رن عدة مرات. لكنها لم تجب. طأطأ رأسه وقال لنفسه، بمرارة: "عققتها، قبل أن تعقني."

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.