عشرة أسباب تجعل النظام السوري عاجزاً عن الحسم العسكري(2)

blogs الجيش النظامي السوري

في القسم الأول من هذه التدوينة المعنون بنفس العنوان تحدثنا عن الأسباب الداخلية التي تجعل النظام غير قادر على تحقيق حسم عسكري. وسنتابع من حيث توقفنا بالحديث عن بقية الأسباب الأخرى الخارجية منها أو الثورية والتي تشكل بمجموعها درعاً منيعاً يصون أهم معاقل المعارضة في إدلب صنع هذا الدرع وتطور بفضل الصمود الأسطوري للمعارضة أمام النظام والتي لم تهدأ حتى تركته جثة هامدة وهيكلاً فارغاً وكياناً مشلولاً اقتصادياً ومستنزفاً بشرياً وملاحقاً دولياً ومعزولاً سياسياً.

ثانياً: حصر الإرث السوري

من المشاكل الاجتماعية التي لا تنتهي آثارها في مجتمعاتنا الفقيرة هي كثرة الوارثين وقلة الميراث فلا تكاد تخلو قسمة من أثر في نفوس المتقاسمين لا يمحى بسهولة ولا يكاد أقواهم يترك شيئاً لغيره وكذلك هي الجغرافيا السورية فالتوزع الحالي وألوان السيطرة على الخريطة السورية هي من أبرز المشكلات التي سيصطدم بها النظام وحلفاؤه لو أرادوا الوصول إلى آخر مناطق المعارضة.

1- فالإيرانيون وشيعتهم في حزب الله سيكونون تحت ضغط دولي إسرائيلي أميركي هائل من أجل ترك القواعد العسكرية والكثير من المكاسب العسكرية الأخرى وإلا ستزداد حدة المواجهة المباشرة بينهم وبين الأمريكان والإسرائيليين هذه المواجهات التي بدأت بشكل محدود عبر ضربات التحالف الثلاثي الأميركي البريطاني الفرنسي وتوسعت عبر ضربات إسرائيلية ولابد أنها بمجرد انتهاء حجج وجودها سوف تجد نفسها في مواجهة أكبر بكثير مع الغرب والعرب بلا غطاء دبلوماسي روسي يسوق لبقائها النسبي والمحدود.

للأتراك حليف الروس والإيرانيين مخاوف أيضاً تتعلق بتعاظم الضغوط الأوربية عليهم من خلال استغلال الأزمة بينهم وبين الانفصاليين الأكراد شمال سورية

2- أما عن الروس فقد أظهروا غضبهم وعدم ارتياحهم لتنازع قيادة الملف السوري بينهم وبين الإيرانيين وذلك عندما بدأ يرشح إلى الإعلام فور انتهاء معارك حلب عام 2016. حيث يرغب الروس أن يأكدوا دائما للإيرانيين أن كل قوى الأرض رهينة الدعم الجوي الذي تقدمه روسيا وهذا ما يجعلها في المقام الأول من إدارة الملف السوري وتمثل انتهاء كل أشكال المقاومة الثورية عامل أمان كاف للإيرانيين يغنيهم عن الدعم الروسي وتتحول المهمة العسكرية وقتئذ إلى حفظ الأمن وإحكام القبضة والسيطرة الداخلية عبر انتشار كبير لقوى المشاة وهذا لا يسمح للروس باستمرار لعب الدور القيادة وبالتالي سوف تصبح دفة القيادة لعبة بيد الإيرانيين أكثر.

 

ولعل وجود مناطق سيطرة خارجة عن بطشهم وفصائل مستعدة في أي لحظة لمعاودة القتال سيجبر الإيرانيين على التفكير كثيراً قبل خوض أي مغامرة مع الروس في سورية وعلى الرغم من محاولة بعض الميليشيا الإيرانية دائماً تجربة بعض ردود أفعال روسية حول تمرد قرارها بشكل محدود عن التوجه الروسي إلا أن الكلمة الفصل لا تزال بيد الروس الحاسم للمعارك بفضل تفوق سلاحه الجوي.

3- وللأتراك حليف الروس والإيرانيين مخاوف أيضاً تتعلق بتعاظم الضغوط الأوربية عليهم من خلال استغلال الأزمة بينهم وبين الانفصاليين الأكراد شمال سورية حيث يسعى الأوربيون لوضع العصي بعجلات التحرك العسكري التركي لإنهاء وجود تلك الفصائل ويدرك الأتراك أن بقاء مناطق خارج سيطرة الحكومة سيمكنهم من إظهار عجز نظام الأسد عن السيطرة على كامل الأراضي السورية فضلاً عن تأمين الحدود السورية التركية. وأن سيطرة النظام المفترضة على كامل سورية الخارجة عن سيطرته سوف تفتح الطريق للمطالبات الدولية والمحلية من أجل تسليم المناطق التي سيطر عليها الجيش التركي مؤخراً للنظام الذي وبكل تأكيد سيفتح هذه المناطق والحدود السورية التركية أمام فلول الفصائل الكردية الانفصالية لضرب المصالح التركية والانتقام منه والانشغال بها.

4- وبالحديث عن الأكراد فهم أيضاً أكثر المتضررين من الإنهاء الافتراضي للتواجد العسكري لقوى المعارضة حيث ستبدأ ضغوط النظام وعادته في نكص العهود بالتضيق على الطموحات الكردية في الحكم الذاتي حين يصبحون بمفردهم في مواجهة النظام وقد فهم الأكراد – كما أخال- درس استفتاء إقليم كردستان العراق ومعركة عفرين جيداً فلم ينصرهم وقت الشدة أمريكان أو إسرائيليون أو نظام حتى وإن رفعوا أعلامهم أو سموا المدارس والحدائق بأسماء أبطالهم.

ثالثاً: أحياناً يكون الانتصار أكبر هزيمة للجيوش

ولا أدخر في هذا ذكر أقرب الأمثلة للسياق في شمال سورية وأقصد قطاع غزة الذي اضطر المجرم شارون إلى الانسحاب الأحادي وتفكيك المستوطنات من القطاع وبناء جدار فاصل بين الطرفين وذلك للخسائر الأمنية والاقتصادية والدِبْلوماسيَّة الكبيرة التي ستفوق أي انتصار عسكري يمكن أن يحققه على معاناة المحاصرين هناك.

1- وكذلك الأمر فالنظام اليوم يعاني من العقدة الأخيرة وهي مناطق تجميع عشرات آلاف المقاتلين الذين لم يبق لديهم ما يخسرونه إن أقدم النظام على اقتحام إدلب. وفضلاً عن الفصائل والمقاتلين فإن ملايين المدنيين الموالين للثورة يرفضون أي شكل من الأشكال الالتقاء مع النظام وبالتالي فالنظام لن يستطيع اقتحام هذه المناطق والمخيمات المكتظة بالسكان عسكرياً بسهولة وستكلفه خسائر بشرية كبيرة ومجازر مخيفة بين كل الأطراف وسيكون ثمنها بلا شك الإطاحة الدولية بنظام الأسد وعلى أقل تقدير ستقوض كل مساعي النظام والحلفاء القادمة لإعادة تسويق نفسه وإنعاشه دولياً.

2- ولو افترضنا جدلاً أن النظام قبل هذه المغامرة وأقدم على التقدم تجاه هذه المناطق فسيكون في حالة تشبه حالة الاحتلال الإسرائيلي لغزة فهناك أجيال تربت على عقيدة قتال النظام لأسباب وطنية أو دينية أو انتقامية وهناك مقاتلون غير مكشوفين من قبل النظام هؤلاء الذين سيأكلهم شعور عدم التكافؤ والانهزام وعدم قدرتهم على رد المظالم وسيتحولون بلا شك إلى حرب الشوارع واغتيال الشخصيات وتفجير المؤسسات الحكومية وأماكن تجمع الشبيحة وسيكون ثمن الاختلاط بالقاعدة الشعبية للمعارضة أكبر من أي نصر عسكري يحققه النظام فسيصبح لأولئك المقاتلين القدرة على الوصول حتى دمشق وحلب وحماة وكل المدن السنية بأقل تقدير بالإضافة إلى أن النظام لن يسلم من أنشطة الاختراق والتدمير الداخلي.

 

أجزم أن النظام لن يكون قادر على حسم تواجد المعارضة بالشمال إلا أنه سيحاول جهده أن يضيق الحياة هناك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً طمعاَ في تركيع الناس معيشياً وسياسياً لا عسكرياأجزم أن النظام لن يكون قادر على حسم تواجد المعارضة بالشمال إلا أنه سيحاول جهده أن يضيق الحياة هناك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً طمعاَ في تركيع الناس معيشياً وسياسياً لا عسكريا
 

وفي تلك الافتراضات المستحيلة سيكون النظام أمام مهام شبه مستحيلة تتعلق بالعبء الاقتصادي والمعيشي لسكان المخيمات ومدن الشمال المدمرة بشكل كامل والتي تنتشر على قشرة الأرض بلا بنية تحتيه وكأنها تعيش عصور ما قبل العمران الإنساني بسبب ثقل القصف وتكراره على تلك المناطق وخاصة إن أعدنا ربط هذا كله بالظروف السياسية والاقتصادية وايقاف الدعم الذي سيعاني منه النظام وقتذاك.

أخيراً: هذا الكلام لا يعني بحال من الأحوال القعود والاطمئنان إلى عدم قدرة النظام على خوض هذه المغامرة التي تعتبر الأخطر على وجوده وأستذكر هنا حادثة الاتفاق على تسليم أرياف حماة بين الدول الضامنة الثلاثة والتي قضت بتسليم كل المناطق في ريف حماة حتى حدود سكة القطار لقوات النظام والاكتفاء بها ولكن النظام والميليشيا الداعمة عندما وجدوا عجزاً كبير من قبل قوات المعارضة وتراخي في التصدي له حاول التوسع أكثر وبالفعل نجح في ذلك وكاد لولا تقدير اللطيف أن يصل إلى مدينة سراقب الاستراتيجية ويقطع الطريق الدولي ومن ناحية أرياف حلب كاد أن يقتحم المنطقة من قبالة تلة العيس لكي يصل إلى الفوعة وكفريا الشيعتين والوصول إلى باب الهوى المتنفس الوحيد للمحاصرين في شمال غرب سورية.

 

وبالتالي فإني أجزم أن النظام لن يكون قادر على حسم تواجد المعارضة بالشمال إلا أنه سيحاول جهده أن يضيق الحياة هناك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً طمعاَ في تركيع الناس معيشياً وسياسياً لا عسكريا مما سيعطيه فرص الوصاية من جديد على تلك المناطق. وهذا عدا المحاولات الحالية لتوسيع رقعة سيطرته في شمال غرب سورية في بعض المناطق مثل جسر الشغور وجبل شحشبو وسهل الغاب والعقل والمنطق يقول أن على المعارضة العسكرية والسياسية البحث في نقاط قوتها أكثر من نقاط ضعف النظام والاعتماد على قدرتها أكثر من عجز النظام والتحصن بعتادها وتنظيمها وقوتها فلا مكان لها بعد شمال سورية.