شعار قسم مدونات

سياج الرأي المقدس!

blogs - house of allah

لكل فلسفة إنسانية أصلٌ وأذناب، جِماعها أساسها، جهلُها الأخذ بظاهرها، وثالثة أثافيها مقلّد يمدّ كفّيه إليها وما هو ببالغها، فرقٌ بين الإسلام كمنظومة، والمسلمين كأفراد، شتان بين الحقّ المُدّعى وواقِع المُدّعي الحالِم.

وكلّ الناس يشكو من أناس 
وكل يدّعي طيب القلوبِ 
إذا ما كان كلّ الناس خيرًا 
فمن-بالله- هم أهلُ الذنوب؟

عمّ نبحث إن كانت الحقيقة في سبعة مليار رأيٍ سبعةَ مليارٍ مثلَها؟ وفيمَ العناء والجدل إن انتهى كلّ منا إلى قول ذلك الثعلب الذي لم يبلغ داليةَ العنب فاكتفى بالقول إن العنقود حامض، وانصرف واثقًا بأنه لم يعجزه وإنما هو الذي تركه لحموضته! قد تبدو لك شعاراتهم المنادية بحرّية الفكر والرأي وإطلاقه كيفما اتفق وإظهاره أينما بدا لصاحبه، قد تبدو في ظاهرها معتدلة حسنَة النّية ذات بعدٍ أخلاقي سامٍ، ثم ما تلبث أن ترى بعض المنادين بها وهم يضعون آراءهم وموافِقيهم في كفّة أثقلوها لتَرجح، ثم وضعوا آراء مخالفيهم في كفة أخرى وأظهروا للعالم الجزء الراجح وأهدَوه مكافأة حرية الرأي جزاءً على رجحانه، وأحجموا الكفة الأخرى ليتهمها أنصار الحرية بالتحجر الفكري والغلو ومعاداة الحرية نفسها.

  

إن الساحة لما خلت لمن هب ودب أن يكون له رأي في كل شيء حتى فيما لا يحسن، ظهر بيننا أصحاب الفُتيا الذين تستحيي أفواههم نطق كلمة "لا أعلم"

سَل هؤلاء عن المتطرفين والارهابيين والمجرمين لمَ وُجد السجن عاقبة لهم؟ ولم كانت القوانين أكبر أعدائهم؟ ولم لا يُبسَط لهم كما لكم فيعيثون في الأرض ويعرضوا آراءهم المشبعة بروح الدم في مزادٍ لا يساوم فيه أحد على مبدأ أو عقيدة؟ أليست حرية الرأي الرابطة الإنسانية التي تجعل الخلق سواسية كأسنان المشط؟ أم أنها أسنان الدابة نصفُها الأمامي لصفوة الكلأ، والنصف الخلفي الخرِب للطحن والسوس؟

بالعودة إلى الفلسفة؛ نقول إن ظاهرة تقديس الآراء و"تسييجها" ما هي إلا مسخ لفلسفة إنسانية قام أساسها نتيجة تحوّلات تاريخية تدريجية، ذلك أنها قبل قرونٍ لم تكن لتظهر على الملأ دون رادع مجتمعيّ أو سياسي أو ديني، لا أيام العصور المظلمة ولا أوائل ظهور التنوير الأوربي، فحتى حين كانت الآراء المجردة عن الدين تحمل في مضامينها روح الثورة لم يكن أصحابها لينادوا بها على نطاق واسع كما هو الحال اليوم، وحتّى إن فعلوا فلن يُجاوزوا كونهم شرذمة قليلة لا وزن لها.

 

غير أن ظهور النظريات الليبرالية وانتشارها ساهم في كسر العرف المسيطر ليصبح للإنسان -المادّي- مركزيّة عليا تخوّله الضرب بقدَم صلبة في كل المجالات المرتبطة ببيئته، ابتداء بفكره وانتهاء بأكبر منتج تصل إليه يده، فلما كانت هذه هي السردية المهيمنة في المجتمعات العظمى؛ ألقت بِفَيئها على الأضعف منها، وصرنا إلى ما ترى اليوم من أشباه الليبراليين الذين لم يستطيعوا نقل الثورة الغربية إلى بلدانهم لعلّة اختلاف الثقافة وعدم جهوزية الوعاء لتقبّل القالب المُعَدّ لغيره، فاختاروا أن يكونوا أنصافًا من كل شيء.

وقد قال الناس "أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلّم، ونصف متفقه، ونصف متطبب ونصف نحوي، وهذا يفسد الأديان والبلدان والأبدان واللسان"، ولأن البغاث بأرضِنا يستنسر، فإن الساحة لما خلت لمن هب ودب أن يكون له رأي في كل شيء حتى فيما لا يحسن، ظهر بيننا أصحاب الفُتيا الذين تستحيي أفواههم نطق كلمة "لا أعلم"، وصار فيزيائيّو الأمس فلاسفة اليوم، والبيَاطرة نقّادا للتاريخ، والذين لا يملكون في الدنيا إلا "الوايفاي" مفكّرين أتوا ليخلصوا البشرية من غياهب الجهل.

ومنذ متى كان في العلم رأي على أساس عدم العلم؟ وهل يكون المتكلم بالرأي فيما يجهل إلا كالذي صعد المنبر يوما خطيبًا فقال "ما أحسن قول من قال "لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، فقالوا له "هذا فرعون" فتلكّأ وقال "قد والله أحسن القول" مثل هذا الخطيب يصدق فيه قول الشاعر

إن الزرازيرَ (العصافير) لمّا قام قائمُها 
توهمت أنها صارت شَواهينَا

ولسنا نكره أن نسمع الرأي ولا أن نمنع قائله إن أتى ببيّنته فلم يتعصّب لنتيجته إذ ظهر الحق في غيره، إننا في زمن لا يكتفي فيه صاحب الرأي الباطل بالمنافحة عنه، بل ينقل أحقاده إلى مُخالفه، وتمنعه نفسه أن يعترف للآخر بصواب ما أتى به مع عجزه عن الرد عليه، رحم الله علماء الأمة إذ يستعظمون التقوّل بغير علم، ويُعظّمون رابطة الأخوة فيأخذون بفقه الخلاف لينشئوا حضارة مبنيّة على قطف الحكمة من أقطارها كلها شرطَ أن تؤدي إلى البغية الأسمى؛ تحقيق الإسلام الصحيح.

وإنه مخطئٌ أكبر الخطأ من وضع العقيدة في صف الآراء كما يضع صاحب الطماطم بضاعته ليتخير منها الناس، فكما قال ابن سيرين "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، وقال ابن تيمية فيما معناه أن من قال في القرآن برأيه فقد تكلّف، وإن أصاب المعنى فقد أخطأ "أي أخطأ طريقه" فيا أيها المنافحون عن سياج الرأي المقدس؛ "هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ"، "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"، قليلا أيها البشر.