حماقة الثبات على المبدأ!

مدونات - رجل حزين
ساد لدينا اعتقاد أن الرجل الحقيقي هو الذي لا تتغير مواقفه مهما حدث وأن البقاء على موقف واحد طوال الحياة هو دلالة على الثبات لأجل المبدأ؛ وقد سار على هذا الاعتقاد أمة كثيرة من الناس بقناعة منهم أن كل ما اعتقدوه في فترة ما هو الأصح وهو الأنسب والأصلح واعتقدوا أن أعراف قبيلتهم هي قوانين الطبيعة التي لا يمكن أن تصلح الحياة بدونها. تبدأ هذه القناعة تتولد في فترة الطفولة كتقليد للوالدين ويتم التعصب للفكرة بقدر تصعب الوالدين لها؛ سيتم حشر أفكار معينة لدى الطفل عن الانتماء الديني، والسياسي، والعرقي ليقتنع عندئذ أنه يجب عليه أن يناضل ويعيش لأجل كل ما قيل له؛ تمر السنين وتبقى القناعات كما هي مقفل عليها داخل سجن مظلم، يذهب الشخص للتعليم، والثقافة، والاستزادة مما تجود به الحياة ليحقق مصالحه وينال مطامعه دون أن يحدث التعليم أي تغيير أو استزاده فيما يعتقده هذا الشخص طالما هو لم يرد ذلك.

 
وبرغم التباين في الآراء والأفكار بين المجتمعات والأشخاص يتولد الخلاف وتنشأ الصراعات لتستمر باستمرار اعتقادات من أنتجها طال الزمان أو قصر ومن المعلوم أن الخلاف ينتج خلافا آخر ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد لتأتي تبعات هذا الخلاف لتنهش المجتمعات والدول وتخلق مزيدا من الانقسام والتشرذم ليتولد الفقر، والجوع، والمرض. بعد فترة من الصراع الطويل سيفكر الجميع برغم اختلافاتهم الكبيرة ليتفقوا على شيء واحد يثير السخرية لدى العالم المتحضر عندما يقولوا أن هنالك مؤامرة تحاك ضدهم وأن العالم يريد لهم ذلك وهو من يدعم جميع الأطراف المتصارعة ليقضي على مصالحهم ويعكر صفو عيشهم. هنا سيتم إحالة الفوضى والخلاف إلى نظرية المؤامرة ليتم التبرير والهروب من الفشل وهنا ستجد أن الجميع شبه مجمع على أن هنالك مؤامرة لتكن المسألة الوحيدة التي يتفق عليها الجميع وذلك لأنها خاطئة؛ وهذا الشيء طبيعي لأننا نتفق على الخطاء دائما!
 
متى سندرك أن الخلاف شيء طبيعي وأنه يمكن التعايش مع الجميع؟ ومتى سندرك أننا السبب في كلل ما يحدث لنا؟
 

عندما يدرك القادة أن مواقفهم يجب أن تتغير كما يجب على الشعوب هنا سيتم خلق تناغم بين الهرم القيادي السياسي وبين القواعد الشعبية ليتم إنتاج التعددية السياسية بشكل راقي وحضاري

عندما تتهم الآخر أنه يتآمر ضدك وعندما ترى أنه يتقدم وأنت تتراجع هذا يعني ببساطة أنه أجدر منكك وأقدر على مواكبة الحياة وتنفيذ ما يريده في حين أنت عاجز عن إيجاد حل لإيقاف المؤامرة إن كانت هنالك مؤامرة أساسا! الأفكار والمعتقدات المرتبطة بالثوابت الدينية والوطنية يجب التمسك بها حفاظا على الهوية؛ غير ذلك يجب أن ندرك أننا نحن من أوجدناه ولم يخلق مع الكون وأن أفكار اليوم قد تتغير في الغد طالما توافقت مع مصلحة الوطن الكبير أو المجتمع المصغر أو حتى الفرد الواحد طالما سيضمن العيش بحرية وسلام ليتعايش مع الجميع تحت مظلة الوطن الواحد عندها سيتم التفكير في الازدهار، والرقي ورمي مخلفات الماضي لتصبح عبرة.

 

ولن يتحقق ذلك إلا عندما ندرك أن نواتج الأفعال بداياتها أفكار وقناعات يمكن لها أن تتغير وهذا هو الأصل وأن البقاء على نمط واحد من التفكير والاعتقاد هو دليل على التخلف والجهل ولم ولن يكن مجدي لنا سواء كأفراد أو جماعات أو شعوب. نلاحظ دائما تغير في مواقف السياسيين في الغرب وهم من يخلقون الأحداث وهم من يوقفها بحسب المصلحة ويصنعون تحالفات جديدة ويتنازلون عن أخرى بحسب الزمان والمكان ويصبح عدو الأمس حليف اليوم والعكس؛ ونرى في المقابل جمود في السياسة العربية فيتم الإبقاء على ما ترك لنا من الأسلاف كيفما كان وتحت أي ظرف.

 
عندما يدرك القادة أن مواقفهم يجب أن تتغير كما يجب على الشعوب هنا سيتم خلق تناغم بين الهرم القيادي السياسي وبين القواعد الشعبية ليتم إنتاج التعددية السياسية بشكل راقي وحضاري تحت مضلة الوطن الواحد برغم التنوع واختلاف المشاريع والرؤى وسيصبح الهم لدى الجميع في كيفية ضمان العيش الكريم ومواكبة العالم الحديث والاستفادة من التجارب الناجحة لنبتعد قدر الإمكان عن العيش لأجل الوهم.