شعار قسم مدونات

"عودة مواطن".. بعيون إبراهيم الطنطاوي

عودة مواطن

بعد حرب 1973. تبنت الحكومة المصرية برئاسة وزرائها: عبدالعزيز حجازي – مهندس الإنفتاح- مجموعة من الإجراءات وأصدرت عدد من القوانين لتنظيم حركة التجارة الخارجية والإستيراد – من عام 74 م إلى العام 76 م – تحت أسم " قانون الإستثمار للمال العربي والأجنبي"، التي عرفت فيما بعد بسياسات الإنفتاح الإقتصادي. بعد عشر سنوات تقريبا من تلك الإجراءات عرض فيلم عودة مواطن 1986 للمخرج محمد خان من تأليف الكاتب العظيم عاصم توفيق، عالج الفيلم الأثر الإجتماعي والإقتصادي لسياسات الإنفتاح في سياق درامي أكثر من رائع، من خلال أسرة مصرية بسيطة مكونة من خمس أفراد.

 

يعود شاكر المواطن المصري من قطر بعد غياب 8 سنوات وقد عزم على الإستقرار في مصر بحثا عن الونس ولم شمل أخوته الأربعة.

فوزية: ألاخت الكبرى أو بالرىحي الأم التي حملت على عاتقها رعاية إخوانها بعد وفاة الأب والأم.

نجوى: تعمل في أحد المطاعم ومرتبطة بزميل لها يدعى تامر.

إبراهيم: الخريج الجامعي العاطل الرافض للمجتمع وللواقع.

مهدي: الطالب الحالم المتيم بتربية الحمام والموتوسيكلات الأمريكية.

undefined

منذ اليوم الذي شاهدت به الفيلم، ما استطعت أبدا نسيان إبراهيم الشاب المصري العادي، العادي جدا، لا يحمل في جعبته أحلام ضخمة ولا تطلعات حتى لمستقبل مبهر، الشاب الذي فقد كل حقوقه في أن يكون عاديا، لا يأمل في دور البطولة في الفيلم ولا حتى في الحقيقة، كيف حوله التغير الجذري في المجتمع المصري ما بعد الإنفتاح إلى محبط، محطم تماما، مهزوم ككل من عاش خيبات الآمال في ظل واقعنا المقيت، سألت نفسي مرارا ماذا لو نحينا محمد خان جانبا وتركنا إبراهيم يحكي لنا، كيف آلت الأمور!

ماذا لو شاهدنا الفيلم مرة أخرى بعين إبراهيم؟


undefined

إبراهيم.. الاستيقاظ صباحا كل يوم لا يقل ألما عن الرغبة في النوم كل ليلة دون فائدة مرجوة، عقلي يقظ بالكامل لكن جسدي لا يقدر على الحركة. أظن أن المشكلة ليست في جسدي، أظنها قد تفاقمت. أصحو من النوم لا أدري ماذا قد يحدث اليوم!، ما قيمة الأيام؟، ما الجديد؟، اليوم مثل أمس مثل غد. أري أخي الأصغر (مهدي) يستيقظ مبكرا في حماس غريب، لا أعرف السبب.. أظنها المراهقة، أظنه لم يصطدم بالحقيقة بعد. لا بأس.. كنت يوما ما مثله. كنت متحمس للجامعة، وما بعد الجامعة، لكني اليوم قد أدركت تمام الأدراك أن أنتظاري ما بعد الجامعة كان أكبر غلطة أقترفتها بحياتي.

لا شئ، لا شئ بعد الجامعة، أنام بعد يوم مكرر لأستيقظ للمجهول أو قل أنى مللت أنتظار المجهول، التكرار يقتلني كل يوم، كل ليلة. لا أهتم لشئ مما يدور حولي، أعتقد أنه قد فات الأوان، أصبح كل ما يأرقني هو صوت مهدي صباحا ونور الشمس الذي لم يدفأ قلبي يوما، الساعة ما صارت الثامنة، لماذا يأرق نومي بالشمس وصوت المنبه وضجيج رفوف "الدولاب" وهو يغير ملابسه؟ طلبت منه يوما أن يكون أكثر هدوءا ويضع في الأعتبار أنى مازلت نائما أو بالأحرى سأظل نائما أو أحاول، لكنه لم يهتم، فقلت له بكل صراحة: "نام أفيد لك". لم أقصد أن أكون وقحا، لكن أظن أن المشكلة في شعوري الدائم أنه قد يتحطم حين يعرف الحقيقة، الحقيقة أنه.. لا فائدة فعلا من كل هذا.

undefined

لا يهم الآن.. المهم أن الرفاق بأنتظاري على المقهى، أتمنى أن يكون اليوم مميزا، أسعى للتغلب عليهم جميعا في الشطرنج. منذ أول مرة تعرفت فيها على هذه اللعبة وأنا أعرف أنى سأتعلق بها، أنها أكثر من مجرد لعبة. الشطرنج يشبه العالم، واحد فقط ينتصر، والباقون بالتأكيد خاسرون لا محالة.. بعد عودة أخي الأكبر (شاكر) من قطر وهو مرتاب من كوني مهتم بهذا الشكل بتلك اللعبة، بل جن جنونه عندما وجدنى أقرأ من كتاب عن الشطرنج. أستطيع تفهم شعوره. شاكر لا يدري عن الواقع المصري شئ، فقد كان في الخليج منذ ثمان سنوات، لا يدري خلالهم كيف آلت الأمور في مصر طيلة هذه الفترة. مصر ما عادت مصر التى أعرفها ويعرفها.

 

دخل عليا شاكر ذات مرة وحاول أن يكون لطيفا قدر المستطاع، نعم هو الأكبر لكنه لم يكن أبدا الأذكى. أفهم أنه يحاول إقناعي أن الحياة ليست كما تبدو لي. يحاول أقناعي أن الإجتهاد لا بد منه، لكنه لا يدري الحقيقة الأهم؛ الإجتهاد لم يعد مجدي في زمن الإنفتاح الوساطة والسمسرة والرشاوي. لم أعد حتى أحتمل النقاش، فقلت له كلماتي الأخيرة عله يفقد الأمل: "الزمن مبقاش زمنا يا شاكر، دلوقتي مبقاش في إلا ناس فوق وناس تحت، أما الناس إلي في النص فخلاص.. راحت عليهم يا أخويا".

 

سكت شاكر أخيرا لا أدري لانه أقتنع أم لأنه يأس تغيير قناعاتي، لا يهم، تركته وذهبت حيث الرفاقة والشطرنج وبدأنا أو لنقل قد بدأ يومي.. الشطرنج ليس مجرد لعبة يمكن ممارستها في وقت الفراغ أو حتى من أجل التسلية في الساعات الطويلة على المقهى. الشطرنج أعظم ملهاة في الدنيا.. كل حركة بعدها مائة احتمال واحتمال، لن تستطيع مخاوفك وهواجسك التي تداهمك طيلة الليل التسلل لك وأنت تفكر في تحريك قطعة من الست عشرة قطعة على رقعة الشطرنج. ستسبح في علم آخر، عالم غير واقعك القمئ، عالم يحتمل مع بعض الاجتهاد والتركيز الانتصار، وهذا لا يحدث في الواقع، لن يحدث لك في الواقع أبدا..

 

أختي الكبرى (فوزية) شخص حنون جدا، مخلص جدا لدرجة جعلتني أتساءل؛ لماذا؟، لماذا ظلت لهذا السن ترفض الزواج إخلاصا لعلاقة حب قد انتهت منذ سنين عديدة؟، لن أستطع اتهمها هي الأخرى بالغباء، بعد خيبة أملها بالارتباط بالرجل الوحيد الذي أحببته، قد كفرت بالحب تماما، أظن أن هذا من النضج، يعجبنى أنها ما عادت تحمل آمالا عاطفية وسط كل هذا العالم المادي الذي نعيش فيه.

 

ما زال حلم قديما يداهم فوزية؛ تتمنى أن تصبح مالكة أكبر سلسلة محلات حلوة شرقي وغربي. لا أعلم إن كانت تقدر على هذا أم لا؟، لكنى أثمن أن في عصر المادة لم يبقى لديها إلا حلم كهذا. في أغلب الأحيان لا أقصد أن أكون وقحا، أو أن أقحم نفسي في شأن غيري، لكن عندما سمعها تتكلم بتلك الحماسة عن مشروعها مع شاكر- كممول للمشروع – ذكرتها بقصة (ماريا أنطوني) البرنسيسة التى أخبرها مستشاريها أن الرعية لا تجد الخبز فردت: "لو مش لاقيين خليهم يكلوا جاتوه". الآن أختي الكبرى تريد أطعام الناس جاتوه وهم لا يجدوا الخبر.

 

لا أعلم عن (نجوى) الكثير، هى الأخرى غير مهتمة أصلا أن أعرف، وهذا يريحني جدا، شاهدتها أكثر من مرة تدخن السجائر وتتحرك بحرية كاملة في ظل أنها ما زالت مقيمة معنا في نفس البيت. قد تبدو متمردة ومستقلة أو هي كذلك، لا أعرف.. لكن المهم أنها لم تطلب مني يوما المساعدة أو النصيحة. هي تعمل وتخطط للحياة ترى أنها مسؤولة عن قراراتها و تفضيلاتها. شاكر وفوزية عندهم بعض الملاحظات على علاقتها بتامر زميلها في المطعم التى تعمل فيه، فشاكر يرى أن عمل (تامر) يفتقد إلى الوجاهة الإجتماعية. لكنها قطعت كل هذا الهراء بكلمة واحدة: "هتجوز تامر الخميس الي جاي وأنتوا معزومين".

undefined

الحقيقة أن شاكر جاء لي على المقهى حيث مقري وعنواني ليسألني عن رأيي في تلك الزيجة، مع أنى غير مهتم ولا أري داع للأهتمام بحياة إنسانة قررت أن تجابه الحياة، نفس الحياة التي أهرب منها، إلا أني أري تامر شخص في قمة الغباء. قرأت في إحدى الجرائد الحكومية أن التعداد السكاني في مصر سيصل إلي مائة مليون نسبة علي أعقاب عام 2000م؛ هل يدري هذا الغبي ما سيحدث للناس وقتها؟ سنصبح من أكلة لحوم البشر؛ "يرضيكم شعب عريق زي الشعب المصري يبقى من أكلة لحوم البشر؛ يرضيكوا نبقى زومبي؟".

 

بالتأكيد شاكر يراني مريض نفسي بعد كل ما قتله له حتى ولو لم يقل هذا بشكل مباشر. ليس غريبا على شاكر – الشاب الأربعيني – الكلاسيكي الذي لم يرى مصر منذ ثمان سنوات. أقامته في الخليج كل تلك الفترة أفقدته القدرة على مراقبة الواقع وخصوصا في مصر؛ عصر الإنفتاح "السداح مداح". فهذا الرجل ترك وظيفته المرموقة في بلاد البترول ليعود ظنا منه أنه سيلقانا كما تركنا. "لم نعد كما كنا يا شاكر وما عادت مصرهي نفسها التى تركتها! ".

 

أخي الأكبر إبراهيم الطيب حتى السذاجة أشترى شقة فخمة في القاهرة وبعد ما دفع كل ما يملك، هرب المقاول؛ وضاعت "تحويشة العمر". حتى حبيبته (ناهد) التى كانت تعمل معه في شركة (مصطفى بك) لمستحضرات التجميل؛ قد تزوجت من صاحب الشركة وحنثت بوعدها له: "هستناك، هستناك العمر كله يا شاكر". الغريب أن شاكر رفض عرض (مصطفى بك) بالعمل معه في ناديه الليلي بعد ما غير نشاطه وحول (الشركة المصرية لصناعة مستحضرات التجميل) إلى (كازينو)، فمنتجات الشركة لم تستطع الصمود أمام المنتجات الأجنبية التي اكتسحت السوق المصري.

 

أكره النصائح سواء كانت موجهة لي أو لغيري، لكني قررت أن أقولها لإبراهيم ورزقي على الله: "إذا كنت فاكر أنك تقدر ترجع لحياتك القديمة؛ فأنت بتحلم!، أرجع قطر يا شاكر وأنسى أوهام جمع الشمل، أحنا معدناش زي الأول، لكن لو تقدر تمشي في سكة الفلوس الى مشيت فيها فوزية خليك".

undefined

وسط ضباب اللامبالاة التى أعيش فيها، قتلت حزنا على (مهدي). نصحته مرارا وتكرارا أن "ينام أفيد له"، لكنه ظن أن باستطاعته تغيير العالم، أحلامه بالحرية التى كانت تراوضه وبريق عينيه وهو ينظر إلى الحمام وهو يطير بعيدا حطمته ووضعته في المعتقل بتهمة الإنضمام لجماعة الغرض منها قلب نظام الحكم. يا ألهي! حتى أنى لا أعرف هل أنضم فعلا لتلك الجماعة أم لا؟.. أظن أن تطلعاته بعالم أفضل وإيجابيته تجاه الحياة قد أوقعوه في شرك السياسة. هلكت من محاولاتي أقناعه أن الأرض ستظل تدور حول نفسها ولا شيء سيتغير..

undefined

الحق أقول لكم؛ أنا لم أستطع مواجه العالم بقلب مهدي الماسي المقاوم، ولم أستطع أن أري الحياة بعيني شاكر الساذجتين، ولا بطموح فوزية التى هربت من حياتنا "وطلعت مع الي طلعوا"، ولن أكون غبي كتامر لأتزوج وأنجب فرد جديدا لينضم لفئة الواقعين من قعر (القفة). أكتب لكم الآن من مصحة لعلاج الإدمان، بعد ما تكفل شاكر بعلاجي من المخدرات لكنى لا أرغب في مغادرة المصحة.. هنا الرفاق يجيدون لعب الشطرنج أفضل من الخارج.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.