لا تشوّقه لتمرة.. فتعلّق على قبره عرجونا

مذ كنت طفلة والناس من حولي يردّدون مثلا يقول "عندما كان حيّا كان مشتاقا لتمرة ولمّا مات علّقوا على قبره عرجونا" للتعبير عن ذلك الإنسان المسكين الذي يعيش حياته كلّها سجينا خلف قضبان التجاهل والإهمال والنسيان والخذلان، تمرّ عليه الأيّام وهو غارق في فقر عاطفي أو مادي، أو متعطّشا لاحترام وتقدير وشكر وعرفان وعندما تلفظه الحياة في كفّ الرحيل ويتطاير كجسيمات الغبار، يصبح غنيّا وتنتشر حوله البطولات والحكايات وتتناثر حول اسمه قصائد الغزل والمدح والرثاء والإخاء.

 

يبكونه ساعتين ويفتقدونه يومين ويذكرونه أسبوعين، ثم يتلاشى كالفراشة، كأنه ما كان، يذوب كأنما لبث ساعة من الزمان، فيغدو نسيا منسيا حتى وإن بلغ البعض في قلبه من الحب عتيّا. ألا ليت شعري هل يصفح الراحل ويغفر تقصيرا أو نفاقا كهذا؟ ألا ليت شعري هل يحتمل قلب كلّ هذا؟! ولأن هذه الحياة قصيرة، فإن مواعيد الموت فيها غير محدّدة بأعمار، لا تواريخ فيها معيّنة ولا مقاييس فيها معلنة، سوى أنها خاطفة كالبرق.

 

وكم تحلّ هي حينما تسوء الأحوال الجويّة فترسل سواعدها القويّة وتسرق من عينيك نورا كنت تخاله لن يزول، وعمرا كنت تحسبه سيطول، وتخلّف في داخلك صرخة ودويّا كالرعد تهزك هزّا هكذا فجأة، وتترك في كلّ زاوية من قلبك غيمة ماطرة وسماء ملبّدة بالكاد تصحو، فلا تدري من أين تبدأ ولا إلى أين تنتهي وأين تدور، عالق أنت يومئذ بين سكان الأرض وسكان القبور، مذبذب بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، منهزم كمن ضلّ السبيل.

 

يرحل البعض إلى أحضان تحتويهم بعد أن جفت وقست تلك التي كان يجب أن تفعل ويلوذوا بدفئها واحتوائها واحترامها، ويأخذون معهم حقائب إنجازاتهم وإبداعاتهم وابتساماتهم الحزينة

ألا لا تشوّقه يا صديق لتمرة فتضطر لأن تعلّق على قبره عرجونا! فاجئه بحبّك واغمره بعفوك واهتمامك واحتويه، أسمعه قصائد المدح والحبّ اليوم، أحضنه بقوة وقل له إنّك لا تطيق فراقه، تردّد على بيته وحيّه، ولتشمّ عطره في أهله وأصحابه حين يغيب، قل له إنّك ستبقى وفيّا حتى المشيب وما بعد المغيب، حدّثه دوما عن أطفالكم الذين سيحبّون بعضهم البعض وسيكبرون معا، وحدّثه عن الأمس وذكرياته وكيف تشاركتما الطفولة والشباب والشيخوخة منذ أوّل لقاء.

 

لا تشوّقه أُخيّ لتمرة فتعلّق على قبره عرجونا، ألا ما أشبه الحياة بغيمة يا صديق تعصر من شاءت من ثوبها يوم يثقل صدرها، ألا فلتجعل له من صدرك إناء يصطاده مطرا يبثّ في زرعك الطيّب الحياة فيسبل، وبئرا كلّما أدليت بدلوك كلما عاد إليك خيرك وقلت يا بشرى هذا عطائي وعشت قرير العين. يرحل البعض إلى أحضان تحتويهم بعد أن جفت وقست تلك التي كان يجب أن تفعل ويلوذوا بدفئها واحتوائها واحترامها، يأخذون معهم حقائب إنجازاتهم وإبداعاتهم وابتساماتهم الحزينة التي تحاول مع كلّ خطوة نحو المنفى لملمة شظايا قلوبهم المنكسرة وترقيع ثقوبها بمناديل ورقية تجفّف ما فاض منها عبر المآقي، يحملون حقائب أرواحهم أملا في حياة محترمة وبيت أأمن مع أهل صادقين في وطن أحنّ.

 

يرحلون حين تضيق بهم الصدور وحين تغلق في وجه أحلامهم بوابات العبور وتحفر القبور لأنفاسهم الحيّة وأمنياتهم النديّة، يرحلون بعدما تفشل محاولات التثبيت التي أرغموا أنفسهم عليها في وسط لا يعترف بوجودهم ولا يغترف من قدورهم. وحين يغادرون أرض المتاعب ويسطع نجمهم في بلاد الشمس، يقيمون على شرفهم المآدب وينادونهم من مكان بعيد هيت لكم وسلام عليكم طبتم فادخلوا البلد آمنين!

ويرحل البعض إلى حضن التراب، فيقيمون لهم عزاء كالعرس وهم الذين كانوا مشتاقين لرغيف خبز ساخن وكوب حليب دافئ وضيف يزورهم ليملأ غرفهم المظلمة بنور حلوله عليهم، فلو حدث وأن نفضوا التراب من فوقهم ونهضوا من قبورهم وتفرّجوا على الاحتفالات التي نسّقت على شرف موتهم لما صدّقوا أعينهم ولقتلهم ذاك الحب الفجائي ولصعقوا من صدمته من أوّل نظرة أو لربما تيقّنوا أنهم لم يعنوا لهم شيئا حينما كانوا على قيد الحياة.

أمّا أنا، فيا أهلي وأصدقائي وأحبابي، أنا لن أكون بحاجة يوم أرحل لأن تكتبوا عني قصيدة ولا لأن تسردوني رواية ولا لأن تعقدوا على شرفي ملتقى ولا لأن تسمّوا باسمي شارعا أو مكتبة أو مركزا أو جمعية أو مدرسة ولا لأن تمنحوا اسمي لطفلة وتطبعوا على جبينها لأجلي قبلة. أنا لن أكون بحاجة لأن تجمعوا صوري وتعلقوها على الجدران ولا لأن ترسموا وجهي في كل مكان وتستشعروا صوتي هكذا لتواجهوا شوقا أو ذكرى شاركتكم إياها يوما بقدر ما سأكون بحاجة إلى دعاء متواصل يصلني فيخفف عني وحشة القبر.

 

أنا لن أكون بحاجة لأن تدخلوا غرف الذكرى وتشعلوا شمعة وتتلمّسوا مقعدي وتذرفوا دمعة هذا إن فعلتم بعد موتي فالموت لم يعد يزعزع القلوب ولم يعد يدفع البعض ليتوب وأخاف أن يأخذني وليس بعدي من يهديني دعاء مستمرا ينقذني من بحر الخطايا والذنوب الذي أرهقت به كاهلي فوجدته مفروشا في قبري. لا تجوّعوني فتشوّقوني إلى تمرة ولا تعلّقوا على قبري العراجين. اليوم أنا بينكم أقوى وأكبر بحبّكم فلا تجعلوني أفتقر إليه وغدا لست بينكم فلا تحرموني من حبّ مستمر أستشعره بدعاء وصدقة لوجه الله ينيران قبري فأتنعّم فيه.

إلى كلّ الأحياء الذين أحبّهم، إنّي أحبّكم وأذكركم ولسوف أذكركم وأدعو لكم أحياء وحين ترحلون، فلتسمعوها ولتؤمنوا بها
 

ولأني أكره أن تشتاقوا لتمرة وأخاف أن تغادروا فجأة فأعلّق على قبوركم عراجينا، سأقول لكم إنّي أحبّكم، وأشتاق إليكم وأفتقدكم وأكره أن أفارقكم، سأقول لكم إنّي أذكركم وأتذكركم، سأقول لكم إنّي لا أطيق العيش بدونكم ولست أنساكم. ولأني لم أمنحكم غير الحبّ لا أخاف الفراق.

لأني أعترف بالعراجين وأخشاها أرفع قلمي اليوم لأعترف بحبي لكلّ إنسان على وجه هذه الأرض المتعبة ترك في قلبي أثرا، في عالمي بصمة وفي كتاباتي مقعدا، لكلّ معلّم نهلت منه، لكلّ كاتب أحببت قلمه، لكل صديق جمعتني به لحظات جميلة وفرّقت بيننا مسافات طويلة، لكل صديق لم يقدّر لنا أن نلتقي خارج عوالم افتراضية، لكل طالب درّسته، لكل إنسان كنت طبيب نفسه ذات يوم.

لكلّ شهيد سيرتقي في كلّ أرض طاهرة بدماء المجاهدين ودموع المستضعفين حملتُ قضيته في قلبي لأنّني أؤمن أنها جزء مني في فلسطين وسوريا، في بورما، في العراق واليمن وليبيا وأفغانستان والصومال وغيرها، لكل لاجئ لم أفتح له عدا باب قلبي وكتاباتي، لكل مناضل سيذوب ليستحيل حكاية، لكلّ من خطا خطوة صادقة في أرض نضالنا الأعظم فلسطين، لكلّ أسير قيّدوا معصميه أعدك أني سأنصرك، وأعدك أني لن أمسك أبنائي عن الجهاد في سبيل الله والنضال لأجل المسجد الأقصى لو كتب الله لي عمرا طويلا.

 

لكلّ شهيد في أرض فلسطين استحال إلى روضة من رياض الجنّة بإذن الله، وإلى كلّ من اختار يوم الجمعة ليعود فيه إلى الديار ومن ثمّ إلى الله شهيدا، كنت أتمنّى أن أقول لك إني أحبك حبّا جمّا لو تعلم وإني سأكتب عنك وأخطّك لأطفالي قصصا أرويها لهم قبل النوم وأوقظهم بها صباحا ليؤمنوا أن فلسطين وجهتهم. إلى كلّ الأحياء الذين أحبّهم، إنّي أحبّكم وأذكركم ولسوف أذكركم وأدعو لكم أحياء وحين ترحلون، فلتسمعوها ولتؤمنوا بها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة