ظِلَالُ الحُبِّ فِي ظُلُماتِ الحُرُوب

تَخْتارُنا الأقدارُ ونحْنُ نَخْتارُها، وحِينَ نَخْتصِم فكلانا يَخْتارُ الحَرْب، لأنَّ المواجهة حَتميِّة، ولا بُدَّ أن تَميلَ الكفَّةُ لأَحَدِنا، ولأنَّنا لا نُؤْمِنُ بالقَدريِّة ولا الجَبريِّة، فإِنَّنا نمضي بينَ كَرٍّ وفَرٍّ مُتَّكِلينَ على الله، رافعينَ لَهُ أَكُفَّ الرَّجاء، وعليها أرواحُنا سَجَدَتْ تطلُبُ القَبُول، وأعيُنُنا صَوْبَ الحُلُمِ ترقُبُ وتنتظرُ لحظَةَ معانقَتِه، فكم حدَّثونَا عنهُ صغارًا في رواياتِهم التي كانوا يقصُّونها علينا ولكنْ لنِنَام، وحينَ كبرِنَا قرأناها مرةً أخرى لِكَيْ نَصَحُوا، ولكنَّها ليستْ الأحلامُ وحدَهَا مَنْ ترغَبُ في عِناقِنا، وكذلك الموت، فدائمًا ما يسألُ عَنْ أَخبارِنا، لَمْ يَكْفِهِ أنَّه يتَفقَّدُنا دومًا حِينَ نرقُد، فأصبحَ يشتاقُ إلينَا في يقظَتِنَا، يَطَّوُّفُ حَوْلنا، يختارُنَا بعناية، يحبُّ أجملَنا، وأبهجَنا، وأكثرَنا ارتباطًا بأحبِّته، مَنْ بِهم تعلَّقتْ القلوب، وهجرتْ الروحُ الجسدَ إليهم تطير، نعم؛ إنَّه يعشقُ تلكَ المطاردة..

 

 فِي ظُلُماتِ الحُروبِ تبدوا كُلِّ الألوانِ قاتِمةً، تتوشَّحُ السَّماءُ بالعتمة، فلا تُبصُرُ إلا نورَ الانفجارات، لهيبَ نيرانِها التي تحرقُ كلَّ شيءٍ حتَّى القُلوب، فِي ظُلُماتِ الحُروبِ تسْمَعُ صَوْتَ الحَقِّ وصوتَ الرصاصِ معًا يتبادلان القُبُلاتٍ عَلَنًا فلا حَرَج، تخترقُ الرصاصةُ قلبًا فتقتلَ قلبين، تَمْتَلئ الميادينُ بالأحمر القاني، بتلك الجموع تَنشُدُ ما لَمْ يَأْتِ به "السَّلام" أو الاستسلام في روايةٍ أخرى، تَشغفُكَ تلكَ الميادينُ حُبًّا، تراودُكَ عَنْ نَفسِك، هَيْتَ لَك، وعندها تحلو المَعصية، مَعاذَ الله أنْ ترجِعَ، إنَّه ربُّكَ أحسنَ مثواكَ، إنَّه لا يُفلحُ القانطون، فِي ظُلُماتِ الحُروبِ وإِنْ بدا كُلُّ شَيءٍ مؤلمًا حزينًا، فإنَّ أحَدَهم يَتَسَلَّلُ بينَ الحضور بل بينَ القلوب، يدعوها لظلِّه وظِلَالِه، يعرفُ تلكَ القلوبَ جيِّدًا، ما يربِطُها ويؤلِّف بينها، يسعى إليها ليجمَعَها كما يسعى إليها الموتُ ليُفرِّقها، يلمُّ شَمْلها برابطة الإيمان، ويُزكِّي سُوَيْداءَها بالحَيَاء، فِي ظُلُماتِ الحُروبِ قَدْ لا تَجِدْ مَلجَأً ولكنَّكَ حَتْمًا سَتَجِدُ ظِلَالَ الحُبّ..

 

{قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}.. حَدِيثٌ لَبِق، وغِيرةٌ على العِرْضِ حَقَّة، إنَّه الأدبُ النبويُّ بِشِقَّيْه، إنَّه حَياءُ الحَرائِر

واجتمعَ القومُ وأَجْمَعُوا رَأيَهم وائْتَمَرُوا بنبيِّ الله موسى -عليه السلام- ليقتلوه، فإنَّه ذلك الثائرُ على الظلمِ والطائفية، تأبى فطرتُه الذُلَّ والهوان، كيف لا وهو الذي صُنِعَ على عَيْنِ الله، كيف لا وهو الذي رَضَع العزَّة والإباء، وتربَّى ليكونَ الدَّاعيةَ المُرسَل، ولكنَّ بَطْشَ الظُلْمِ وجَبَروتَه دفعاه ليَخرجَ بعيدًا ينشُدُ سبيلًا سويِّة، وأرضًا تَحْتَضِنُه، تَنْصُرُه وتُعِزُّه، ينشُدُ غِنًى بعْدَ فقر، وأيُّ غنًى هو؟!.. {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ}.. إنَّها مَدْيَنُ المَنَعَة، إنَّها مَدْيَنُ الحُبِّ، ذاتُ الحُضْنِ الدَّافِئ الذي أوى إليه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- حينَ طرَدَهُ النَّاس، ذاتُ الحُضْنِ الدَّافِئ الذي صدَّقه حِينَ كذَّبَهُ النَّاس، ذاتُ الحُضْنِ الدَّافِئ الذي واساهُ حِينَ حَرَمَهُ النَّاس إنَّها هي.

 

ويّهيِّئ الله الأسبابَ بلِطْفٍ خَفِيٍّ، وتقتربُ القلوبُ من عِناقٍ فيهِ الملاذُ الأحَنُّ، لترويَ ظماها من وِرْدِ الحُبِّ الأنقى، مِنْ مَعينٍ لا ينضَبُ أبدًا، {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ }.. إِنَّها عَظَمَةُ القَدَرِ الربَّانيِّ، إنَّهُ الرَّسْمُ المُحْكَمُ الدَّقيق، أُمَّةٌ مِن النَّاس، مِنْ كُلِّ الأنساب، كُلُّهمْ قريبٌ وهو البعيد، كُلُّهمْ مَعروفٌ وهو الغَريب، ولكنَّها الأسبابُ، الحِكمَةُ المُطْلَقةُ، تتهيِّأ له لتَبْرُزَ مَعالِمُ رجولَتِه دونًا عَنْهم، تعْمَى القلوبُ عَنْ قَلبِها هي، لينالَه هو، فكيفَ يترُكُها وهي الضعيفة، وهي الرقيقة، تلك المروءة الربَّانيَّة، وَسْطَ قومٍ قَسَتْ قلوبُهم فتغاضَوا عنهُنَّ، تذودان حَياءً وصَوْنًا للعِفَّة، {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}.. حَدِيثٌ لَبِق، وغِيرةٌ على العِرْضِ حَقَّة، إنَّه الأدبُ النبويُّ بِشِقَّيْه، إنَّه حَياءُ الحَرائِر، إنَّها الماجِدةُ في الميدان في وقت الحاجَةِ والضرورة، إنَّها أقدارُ السَّماء تسوقُهُمَا لذلك اليومِ المَوعُود.

 

وفِعِلُ الكِرامِ لا يَخْفَى، وأخلاقُ الرِّجال تأبى أَنْ تُضامَ الحُرَّةّ العَفيفة، وتَصريفُ القوَّة تمامًا في مَوْضِعِه حَيثُ يجِبُ أَنْ يَكُون، {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.. ومِنْ طَبْعِ الكِرامِ العِفَّة، وفيهم نَبْتُ الأصالة، إنَّهُ الإِحْسانُ المُجرَّدُ مِن المَصلَحَةِ والمِنَّة، يَقْضِي شُغْلَهُ ثمَّ يتوارى لا يبْتغي أجرًا إلَّا من عِندِ الله، ولمْ يَعلَمْ أنَّ الله يُخبِّئ له المودَّةَ في القُربى، فيأوي إلى الظِّل لا يَدْري أنَّها ظِلالُ الحُبِّ والأمن بَعْدَ الفزَعِ والخوفْ في ظُلُماتِ الحُرُوب، ومِنْ طَبْعِ الرَّجال أنَّ الشكوى لغَيْرِ اللهِ مَذَلّة، فيشكوَ فقرَه لله في خَلْوَتِه دونَ أنْ ينْسى أَنْ يشكُرَه، وأيُّ فَقْرٍ هو؟! إنَّهُ الفَقْرُ للسنَد، للمُعِين، إنَّها قُوَّةُ الرِجال وشَكيمَتُهم في صراحة حاجَتِها لتلك الرقيقة الضعيفة، ذلك الضعفُ الذي انغمسَ بالقوة، ليتشكَّلَ ذلكَ السِّحرُ الأنثوي، ويُروَّضَ جبروتُ الرِّجال أمامَ مَلَكة الحياء والأدب.

 

فتحُثُّ الأقدارُ خُطاها إليه تعقيبًا على عَجَل، وأمَّا عَنْ خُطاها هي، فلا يليقُ بها إلا الحَيَاء زينةً وتاجًا، وكَخُطاها كانَ مَنْطَقُها، تركيبةٌ فريدةٌ من تراكيب الجمال، ووصفٌ فائقُ البلاغة، فيتوسَّطُ الحياءُ بَيْنَ المَشْيِ والقول ليُحيطَ بكِلِّ أنواعِ الجمال، ويزيدَ على ذلك فيقول "إِحْدَاهُمَا" ليتوارى ذلك الجمالُ عن كُلِّ الخَلْقِ إلا مُسْتحِقَّه وحْدَه، إنَّها العِفَّةُ في كُلِّ زمَنٍ ووقت، لا استثناءات، {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ }.. فتُجابَ دَعوةُ شكوى الفَقْرِ بالجزاءِ العظيم، أجرَ ما سَقَى قَلبَها من رفيعِ ذَوقِه ونبيلِ خلقِه، إنَّه غِرَاسُ الحُبِّ آنَ أوانُ أَنْ يشتدَّ عودُه وتثبُتَ جذورُه، {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.. ليكتمِلَ جمالُ اللوحةِ على أتمِّ صورِها، وتُأتى البيوتُ من أبوابِها، فيذهبَ الرَّوعُ، وتُكتبَ المنجاة. 

 

رَغَمَ بشاعةِ الحُروبَ يأتي الحُبُّ ليُرخيَ ظِلالَه يملأ شذاه الأرضَ عبيرًا، كثيرةٌ تلكَ القَصصُ التي وجدتْ نفسَها وليدة الحرب والتشريد، وليدة القهر والإبعاد، وَسْطَ الرَّكام
 

ولأنَّ هذا الحُبَّ وُضِعَ في مَوْضِعِه الصحيح، فجازَ الطَّلبُ المؤدَّبُ الصريح، وما زالَ الحياءُ يَحُفُّ ذلكَ المَشْهَد، وما زالتْ "إِحْدَاهُمَا" سيِّدَ الموقف، إنَّها تلكَ التفاصيلُ الزائدةُ تطرحُ من المَشهد، إنَّه التجرُّدُ في العَرْضِ والطَّلب، {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.. "اسْتَأْجِرْهُ"، إنَّهُ الحُبُّ الخجول، إنَّه الرِّفقُ باللسان، إنَّه سِحْرُ البيان، إنَّهُ التَّعليلُ المُأصَّل، إنَّها النظرةُ الفاحِصة، بعد اختبارٍ حقيقيٍّ في المَيدان، إنَّهُ القويُّ بغِيرتِه، بإقدامه، بمبادرته، بجسده وعِلمه، إنَّه سَمْتُ الرِّجال، إنَّه الأمينُ بغضِّ بصرِه، بقناعَتِه، بلزومه ما يلزمُ دون زيادة، إنَّه الزاهدُ فلا طَمَع، إنَّه الحفيظُ فلا يُفرِّط، إنَّها فراسةُ الحُبِّ.

 

ولأنَّه الأبُ الحاني العارفُ الفاهم لما يخالجُ ابنتَه مِنْ مشاعر، ولأنَّه الدارسُ لمرامي الكلام، العارفُ بخفاياه الحَيِيَّة، يُلبِّي الطلبَ بصدرٍ رحب، إعلاءً لابنته، وتقديرًا لنظرتِها واحترامًا لمشورَتِها، وإقرارًا بحقِّها في الاختيار، في صنعِ القرار، كيف لا وهيَ التي ربَّاها فأحسَن، {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}.. ويبقى الحياءُ حاضرًا في أدقِّ التفاصيل، ويبقى احترام الاختيار المحْضِ دون إجبار أو زَيغٍ أو إكراه، فيخيِّرُه بين إحديهما رافعًا من قِيمَتَيهما رغم وضوحِ المَشهدِ ورغمَ مَعرِفَة أيِّ قلبَيْنِ اتصلا، ليختارَ القلبُ قدرَه وحظَّه الذي ساقته له الأقدار ليفوزَ بقلبِها وحضنها الذي سيكون ملجأه الأبديِّ، فلم تنتهِ ظلمات الحُرُوب بعْد، وكما يقول مولانا الرافعيّ: "وَاسْتَنَدَ إِليها كأنَّها قُوَّتُه وَعَاشَ بِهَا كأنَّها رُوحُه، فذلك هو الذي يَشْعُرُ بحَقِيقة الحُبِّ ويفهمُ مَعْناه السَّماوي."

 

ورَغَمَ بشاعةِ الحُروبَ يأتي الحُبُّ ليُرخيَ ظِلالَه يملأ شذاه الأرضَ عبيرًا، كثيرةٌ تلكَ القَصصُ التي وجدتْ نفسَها وليدة الحرب والتشريد، وليدة القهر والإبعاد، وَسْطَ الرَّكام، وَسْطَ تَطايُرِ الأَشْلاء، مِنْها ما تتوَّجَ باللقاءِ على نيَّة التأبيد، ومِنها ما تفرِّق على نِيَّة اللقاء ولو بعْدَ حِين، لينتصرَ الحُبُّ في كُلِّ حَرْب، فمَهْما نزفنا فإنَّ الحُبَّ يسقينَا دَمًا، ومَهْمَا ذرَفُنَا دَمْعًا فإنَّ الحُبَّ يسقينا بأسًا وصبرًا، يزرعُ فينا الأمل، ويُعيدُ للحياةِ ألوانَها، بنقائه، بصفائه، بصدقه، بأصالة نبعه، بمعناهُ السَّماويّ.

 

يقولُ مولانا الرافعي في أوراق الورد: "وَلقَد يكونُ في الدُّنيا مَا يُغني الواحدَ مِنَ النَّاسِ عَنْ أَهْل الأرض كَافَّة.. ولكنَّ الدُّنيا بِما وَسِعتْ لا يُمكنُ أبدًا أَنْ تُغنيَ مُحبًّا عَنْ الواحدِ الذي يُحبُّه! هذا الواحدُ له حسابٌ عجيبٌ غيرُ حساب العقل.. فإِنَّ الواحدَ في الحساب العقليِّ أوَّلُ العدد.. أمَّا في الحساب القلبيِّ فهو أوَّلُ العددِ وآخِرُه.. ليْسَ بعدَه آخِر؛ إذ ليس معه آخَر."



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة