دور الجهاد في فكر البنا ودعوته (4)

بعد استعراض دور الجهاد في فكر الأستاذ حسن البنا، رحمه الله، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، في مصر، في بدايات القرن الماضي، وعلى مدار ثلاث حلقات سابقة (1، 2، 3)، نشرت في مدونات الجزيرة، وغفل للأسف عن نشر الجزء المتمم لهذه السلسلة، حرصت على إرساله لإتمام الفائدة، وتحقيق الغاية من طرح الموضوع أصلاً، الذي يحمل أهمية كبيرة، خاصة في هذه الأيام، رغم أن الموضوع باعتقادي بحاجة إلى المزيد، وإلى وقفات جادة لإعادة الاعتبار للجهاد الذي احتل دوراً فاعلاً في فكر المؤسس ودعوته، والذي احتل أيضاً ركناً رئيساً في المنهاج التربوي الذي نشأ عليه أتباع الجماعة في المحاضن التربوية التي مروا بها في مسيرتهم التنظيمية، من أسرة وكتيبة ورحلة ومسيرة…إلخ.

 

اليوم وبعد مرور ما يزيد على تسعة عقود على تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وانتشارها تقريباً في كل بقاع العالم، وازدياد أعدادها بشكل هائل وكبير، حتى باتت تعد بمئات الآلاف في بعض البلدان، وخاصة في بلد التأسيس مصر، يمكن أن يتم طرح بعض الأسئلة، التي تفرضها علينا طبيعة التأسيس وغاياته وأهدافه، وطبيعة الانتشار الواسع الذي حققته في كثير من البلاد العربية والإسلامية، إذ يشكلون في بلدانهم الأغلبية المطلقة تقريباً بين الأحزاب والتنظيمات المختلفة، وغالباً ما تتصدر نتائج الانتخابات ببون شاسع عمن يليها، إن توفرت لهذه الانتخابات شروط النزاهة، وحتى بغض النظر عن طبيعة القانون الانتخابي المعتمد، على كل حال، هل لنا أن نعرف الموقع الإعرابي للجهاد بمفهومه الصحيح " القوة" و"القتال" الذي احتل مساحة واسعة كما رأينا في حياة المؤسس، رحمه الله، والذي لم يغفل شرط القوة المادية في تحقيق التغيير المنشود، والإصلاح المقصود؟

 

هل الأخذ بمبدأ القوة يتنافى مع الانخراط حقيقة في ميادين الحياة السياسية؟ وخوض معتركاتها المختلفة؟! وهل امتلاك القوة يعني ممارستها ضد شعوبهم واستخدامها في نشر دعوتهم مثلاً؟!

وهل حافظ الجهاد بمفهومه الذي حدده الأستاذ البنا، وعمل عليه، على مكانته لدى جماعته بعد رحيله؟، وهل استمرت هذه المكانة وتم تطويرها؟ أم أنها تراجعت وتقلصت مساحاته؟ وإن تقلصت فعلاً مساحاته، وتراجعت مكانته العملية لحساب مساحاته ومكانته النظرية فقط، هل عملت على زيادة تشويه صورته، واختلاط مفاهيمه، حين تصدى لرفع رايته قوم آخرون؟ كثير منهم من الشباب المتحمس الذي لم يجد بغيته في الجماعة، فبحث عمن يحقق هذه الغاية في نفسه، فغادر صفوف الجماعة التي نشأ فيها على حب الجهاد في سبيل الله، وتم تهيئته وتعبئته بهذا الاتجاه، دون توفير المناخ المناسب لممارسته، غير مجاهدة النفس والشهوات..

 

وبقي عمراً طويلاً ليس أمامه إلا مجاهدة شهواته، وهو يرى أعداء الأمة قد بلغوا في خصومتها وحربها حداً لا يجوز معه صمت أو انتظار، فضلاً عن توجيه هذه الطاقات الشبابية المتوقدة حماسة، المشحونة في حب الشهادة في سبيل الله، والممتلئة غيضاً على أعداء الله، وغيرة على محارم الأمة التي تنتهك جهاراً نهاراً في كثير من بقاع الأرض، وديار الإسلام، لقد تم توجيه هذه الجماهير من الشباب باتجاهات لم تسد عطشهم، ولم تشف غيظ قلوبهم، ولم تحقق أمنياتهم، في التطلع للحرية والعدل والأمن والاستقرار، فكانوا أمام قضية واحدة هي قضية فلسطين، فإذا بهم أمام قضايا كبيرة، أهدرت فيها الدماء، وضاعت فيها الأوطان، وانتهكت الأعراض، ودنست المقدسات، بعد أن وُجد لدى قوم لم تستوعب أفهامهم فضاءات الرسالة، ولا حقيقة هذا الدين، ولا عظمة رسالته وقوة إنسانيته.

هل إغفال الجهاد ومغادرة مربعاته مهد للجماعة سبل العيش والعمل في مجتمعاتها؟! هل التزام السلمية المطلقة، والتأكيد على أنها الأقوى والأمضى.. أخرجهم من السجون والمعتقلات ونجاهم من أحكام الإعدام والمؤبدات؟! هل الأخذ بمبدأ القوة يتنافى مع الانخراط حقيقة في ميادين الحياة السياسية؟ وخوض معتركاتها المختلفة؟!! وهل امتلاك القوة يعني ممارستها ضد شعوبهم واستخدامها في نشر دعوتهم مثلاً؟! الآن وبعد دعوات مغادرة مربع (الإسلام السياسي) بدعوى الفصل بين الدعوي والسياسي، وبدعوى الدولة المدنية وهكذا، ما هو مصير (الإسلام الجهادي) في قاموس الحركات الإسلامية؟! تساؤلات أطرحها لمزيد من البحث والنظر والرأي في مسيرة الحركة الإسلامية التي يتفق الجميع اليوم على ضرورة تفعيل فقه المراجعات في هذه المسيرة، بعد هذه السنوات الطويلة التي مرت على التأسيس.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تجدد الجدل في مصر بشأن ما يشاع عن إمكانية التفاوض بين جماعة الإخوان المسلمين ونظام الرئيس عبد الفتاح السيسي. ولعل أهم بواعث هذا الجدل هو دعوة مرسي للتنازل عن الشرعية.

بالعودة لبرقيات ويكيليكس يظهر أن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد بات يطلق اسم "الإخوان المسلمين" على كل "المتطرفين"، ولكن الأمر بقي في السر حتى ظهر للعلن بالربيع العربي.

الأكثر قراءة