احتجاجات الشعب الواعي.. أردني يقدم لأردني

بين شاشات مواقع التواصل وبين الأحداث المتسارعة والأخبار التي تضغط على الشارع الأردني وفي ليالٍ مباركة تخرج الهبّة الشعبية لتقول لا وألف لا، لا للجباية، لا للظلم، لا للسلطة السارقة. سلطة "عفنة"، تبارك لشعبها في بداية كل شهر برفعة، رفع أسعار المشتقات النفطية، رفع أسعار الكهرباء، رفع تعرفة المياه المستهلكة، تضيف ضريبة هناك، وترفع دعما من هناك وأخيراً قانون ضريبة جديد يجعل من يد السارق سلطة فوق كل سلطة وجباية فوق كل جباية، وعنوة دون تردد، هذا القانون منا فماذا منكم؟!
   
يخرج الشعب الأردني بدعم من النقابات المهنية ليعلن إضراباً شاملاً يشمل كافة المحافظات، تأييداً شعبياً غير مسبوق، مفاجئاً وصادماً، ولكنها القاعدة (الظّلم مؤذن بخراب العُمران)، من الشمال إلى الجنوب، من الوسط وكافة بقاع المملكة إضراباً عم ويعمَّ كافة أرجاء المملكة وتتسع الرقعة ليلة بعد ليلة، لتخرج الحكومة لتعلن رفع أسعار المشتقات النفطية من جديد وأيضاً رفع سعر تعرفة الكهرباء المستهلكة، وكأن الذي يُصدر القرارات لا يسمع الشارع أو أنه من الذين عموا وصمّوا أو أنّه يتحدّى الشارع وبكل قوّة!!
 
يخرج الناطق الإعلامي "المومني" قبل ليلة الإضراب ليقول: أن 49 بالمئة من الذين يدعون للإضراب هم من السوريين. أقف مستهزئاً أمام هذا الخبر، كيف لشخص في مثل مكانته العلمية والسياسية أن يقبل بنطق تصريح ساخر كهذا، سبحان الله، يرفع الله الناس درجات ليسقطهم ويخسف بهم ما حصَّلوه من درجات لأنهم استبدلوا الكثير بالقليل. المومني أصبح وجهة ساخرة للأردنيين على شاشات التواصل الاجتماعي، فتجدهم كلهم أصبحوا سوريين ليقفوا وقفة رجلٍ واحد ضد كل من يحاول أن يُشعِل الفتنة العنصرية، فذاك أيمن من عمان يَخرج ليعلن أنّه من إدلب متضامنٌ مع الإضراب، وآخر اسمه حسن من إربد يُعلن أنًه من قرية (أم الطنافس) متضامن مع الإضراب أيضاً وغيرهم الكثير. إذاً أصبحت النسبة مرتفعة يا (المومني) وأنا الذي شككت في نفسي هل أنا من الذين تحسبونهم من 49 بالمئة لأتأكد أنّي أنا ابن المئة بالمئة.
 

هل تعتقد الحكومة ومن خلفها بأن الجهل لا يُنتج إلا جهلا؟!، لا خدمات مستحسنة موجودة ولا تطورات نجدها على أرض الواقع ولا تحسُّنا في التعليم أو الصحة أو المواصلات

الهبة الشعبية في ليلتها الرابعة، لا أحزاب تتدخل ولا قيادات حزبية تقود الهبّة، شعارات تطالب إما برحيل الحكومة وتغيير نهجها وإما التصعيد. "من عمان هيجي هيجي، للكرك هيجي هيجي، احنا معناش".  تنتشر صورة من موقع صندوق النقد الدولي على شاشات التواصل يُقال بأنها تطالب الأردن بتخفيض الضرائب، بينما الحكومة والأخبار المعاكسة لذلك تقول بأن صندوق النقد الدولي هو من يضغط على الحكومة في اتخاذها مثل تلك القرارات لتحصل على قروض من الصندوق!!! وآخر يدّعي بأن السبب هو مواقف الأردن السياسية ضد صفقة القرن وأمثالها. تصريحات هزلية ساخرة غبية مدعاة للضحيكة.

 

ولنفترض حسن النيّة فنحن في شهر كريم وأبناء شعبٍ لا يُعرف عنه إلا الجود والكرم، تُريد الدولة أن تعدّل قانون الضريبة لتسد العجز الحاصل والمترتب، هل تعتقد الحكومة ومن خلفها بأن الجهل لا يُنتج إلا جهلا؟!، لا خدمات مستحسنة موجودة ولا تطورات نجدها على أرض الواقع ولا تحسُّنا في التعليم أو الصحة أو المواصلات، فقط (هاشتاج) الأردن يتقدم يصدر من الحكومة دون أي نظر نحو أي تقدم ذاهب. لربما يتقدم إلى الهاوية ولكن صعُبت ألسنتهم في نُطقها أو أن الكاتب قد مسحها فلم تظهر للقارئ لينشرها فقد عُمي عليه كعُمي (المومني). 
 
أكتب مدونتي خلف شاشة، والشارع الأردني والأحرار في ازدياد، قيودٌ حول عنقي، دمعة من عيني تذرف، ذاب القلم وقال لي: اخرج، لم أستطع، شُدَّ وثاقي من جديد، مسكت القلم عضضته وقلت له أرحني ودعني أنطق من خلف شاشة، فهذا أنا وذاك فكري فاجتمعا فأنتما قوَة قليلة تضيف للشارع قوة، وهذا ما تُجيد به يداي. الحاصل في أن في كل صباح أسأل هذا وذاك هل خرجت؟ هل خرجت؟ السؤال يراودني رغماً عني لأن العذاب يحيط بي لعدم الخروج بسبب القيود، ففيهما فجاهد!! أتابع شاشات التواصل، أنظر لكل تصوير مباشر رغم رداءة الجودة، أتابع الهُتافات، علَّ راحة تحلُّ بي، ولكن العكس تماماً، فالقلب يخشع والعين تدمع، هل يُعقل بأن الله لا يريد أن يستخدمني بعد؟!
   
شعب واع، لا يريد إلا حقوقه واسترجاع كرامته ونيل حريَّته، قبل الإفطار تُوقَفُ الاحتجاجات ليدعَ الأردنيُّ الأردنيَّ الآخر يُفطر، يعود الأردنيُّ بعد العِشاء ليحتج حتى حلول الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وتوقَف الاحتجاجات مرة أخرى، ولماذا؟ لكي يدع الأردنيُّ الأردنيَّ الآخر يتسحّر. تعاودُ الكرّة في اليوم التالي، لنرى الأردنيَّ يقدم الماء للأردنيِّ الآخر، يصافحه ويسلِّم عليه بحرارة ويشاركه كأس الماء أو ما تحويه يده من أكل وطعام، فهو أخاه وابنه وابن عمه وابن خاله. الأردنيُّ الأول هو المواطن، والأردنيّ الآخر هو الدركيّ ورجل الأمن والعسكري.

 
   

 

في هذه الليالي، حتى وإن سقطت الحكومة فالظاهر أن من سيخلفها سينتهج نهجها، وذلك لوجود موقع إلكتروني صادر عن الحكومة مؤخراً يوضح فيه عملية حسابية مقدار المال الذي ستسرقه من المواطن، يعني أن القانون سائراً لا محال، ونهج الضرائب والرفعات رغم إيقافه باق، لذلك على الشارع أن يبقى متواجداً حتى يتم إنتاج حكومة من الشعب نفسه، ينتخبها هو بنفسه، لا نريد تبديل وجوه فحسب، فالشعب قد ملَّ والحال قد يؤُسَ منه. نريد حكومة فيها وزراء عاشوا أبناءهم مع أبنائنا، تعلموا معهم ولعبوا معهم. فمثلاً أحد رؤساء الوزراء السابقين في مقابلة تلفزيونية حديثة يقول بأنَه لم يصل لوسط البلد منذ سنتين، فما بالك بغيره؟!

  
النواب، وما أدراك ما النواب، ورؤساء البلديات أيضاً، رغم أننا نرى أن منهم من يقف مع الشارع ويُعلن تضامنه مع الشعب ضد قانون الجباية المنتهج نهجها، فإنني لا أرى في واحد منهم صدقاً أبدا، ولو أردنا الصادق منهم لرأيناه معلناً استقالته ونزوله مع الشعب الذي يدَعي وقوفه معه في بداية خط الأزمة.
    

إلى كل أولئك المهبطين من عزم الشارع وقوته، ويقولون بأنَّ عجباَ لشارع خرج من أجل لقمة عيشه، أردُّ عليكم بأنَّ القادم هو ما يتمناه كلّ امرئٍ حر

في صفحات التواصل أستبشرُ خيراً، كيف لا، وأنا الذي أرى منشوراً من ذاك الذي كان يخشى أن ينطق بكلمة ضد الظلم، وكيف لا، وأنا الذي أرى منشوراً آخر يحذِّر من الإحتكاك مع أبناء الدرك والعسكر والأمن العام وغيرهم من رجال الحماية، كيف لا، وأرى تحذيراً من فتنة عنصرية قد تنشأ أو عملية سرقة عظمى قد تحدث أو جريمة شرف كبرى قد تحصل أو غير ذلك لتُلهي الشعب عما هو حاصلٌ وواقع.
   
على الشعب أن يعي بأن أي تغيير سيطرأ على الأحداث يجب علينا أن نقرأه بحذر وتروي، فكما قال القائل: "يلي بيعملوا الصبي طايب للمعلم"، فإما أن يتم انتهاج نهج جديد برؤية واضحة وجديّة أو أن الشارع ستتصاعد وتيرته وتتعالى شعاراته، فذاك الذي قال: بأنَّ الأردن تجاوز الربيع العربي، لربما غاب عن ذهنه بأنَّ الربيع لا يموت إنَّما قد يتأخر طالما أن أسباب تواجده موجودة. وعلى الشارع اليوم أن يُصبح أكثر نضجاً، فالقائل بأنّ الأردنيّين سيحظون بنعيمٍ اقتصادي بعد عام 2016 هو نفسه يلعب بحبال مخفية، وهو نفسه يخشى من تصاعد وتيرة الاحتجاجات فإن كبُرت لن ترحم أحدا. نرى توافقاً من أشخاصٍ لهم مكانة مرموقة في الدولة الأردنية نزلوا إلى الشارع ومنهم من غرّد على حسابه بتوافقه مع الشعب، أين هم قبل أن تتأزم الأمور؟؟ أم أنهم من أهل المثل "قتل القتيل ومشي بجنازته"؟! أم أنَّ هناك قصص ستتكشف حكاياها مع الأيام؟؟
   
وفي لفتة سريعة إلى كل أولئك المهبطين من عزم الشارع وقوته، ويقولون بأنَّ عجباَ لشارع خرج من أجل لقمة عيشه ولم يخرج نصرة لأخيه الفلسطيني أو السوري أو..أو…أو..، أردُّ عليكم بأنَّ هذا الشارع الذي يخرج الآن هو نعمة من الله، لأن القادم هو ما يتمناه كلّ امرئٍ حر. وإلى أولئك الذين تُقصر دشاديشهم وتُحكُّ ألسنتهم بالسواك ويقولون نحن في شهر عبادة وصلاة وقيام، فالرد على مثل أولئك يكون بأن صلاة القيام سنّة وتغيير الواقع واجب. أمّا عن أولئك الذين يقولون هل تتمنون أن يؤول بكم الحال إلى ما آلت إليه سوريا وغيرها من البلدان الثائرة، فالرد كما قال أحد المحتجين ورفع شعاره: (لا نريد أن نصبح مثل سوريا بل نريد أن نكون مثل سنغافورة).
   
وفي الختام لا تخلو احتجاجات من دون بعض الاختلالات والمشادات، ولكن هذه صورٌ قليلة وأناس قلّة يريدون حرف المسار فاجتنبوه يا أولي الأبصار.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة