أين يقع القرآن من حياتنا؟

هو النور للتائه، والهدى للضال، والشفاء للعليل، به تنجلي الآلام وينقشع الظلام، كتاب ما إن تمسكنا به لن نضل أبدا. وحين قال الكافرون: "لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً " (الفرقان:32)، قال الله لرسوله في نفس الآية: "كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا"، لم يُعجِزه الله أن يُحفظه قلب المصطفى جملة واحدة، لكنه عكس الكتب السماوية الأخرى نزل في ثلاث وعشرين سنة، وجعله الله وسيلة تثبيت لقلب الرسول طيلة هذه الفترة المليئة بالمشاق في تبليغ الأمانة، وذكر الله لفظ الثبات في الآية والثبات في اللغة هو دوام الشيء.

  

وكذلك ينبغي للقرآن أن يكون دائم الحضور في أقوالنا وفعالنا وقلوبنا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتلاوته وتدبره، لا أن نجعل منه تميمة تُعلق أو نضعه تحت الوسادة ليقينا الشرور أو نُزيِّن به الرفوف، بل نزل بالحق ومن الحق ليكون محله أفئدتنا فنعيش به ونجعله رُكناً شديداً نأوي إليه في السراء قبل الضراء، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يطبقونه آيةً آيةً، وأعينهم تفيض بالدمع لما عرفوا من الحق، كان يتجاوز قلوبهم قبل آذانهم فأثابهم الله بذلك جنات النعيم "وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ"، الذين أحسنوا لكتاب ربهم، كيف لا وهو كلام الله الذي لو تُلي على جبل لتصدع ولو رُتِّل على مريض لَبرأ ولو قُرأ على محزون لاستبشر.

  

ما من سورة من القرآن وفيها بيان لفضله وعظمته، أو تخويف لمن يجحد بآياته ويكذب به، ففي سورة عبس القرآن تذكرة، وفي التكوير عظمة القرآن، وفي الانفطار جزاء التكذيب به

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (كنا نحفظ العشر آيات فلا ننتقل إلى ما بعدها حتى نعمل بهن). وروي عنه أنه حفظ سورة البقرة في تسع سنين لشدة التدقيق والتطبيق! وقال ابن القيم في مدارج السالكين: (تدبر القرآن هو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تدبره، وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر) ."وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا" (الفرقان:30) نزلت هذه الآية على الكافرين فشكاهم الرسول إلى ربه، فماذا لو رأى حالنا مع القرآن اليوم وقد استبدلناه بالأغاني واللهو والخوض مع الخائضين؟ وقال تعالى "وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ " (الزخرف:44) قيل : أي شرف لك ولأمتك حيث أنزل بلغتهم فينبغي أن يكونوا أفهم الناس له وأعلمهم بمقتضاه وأقومهم به، وسوف تسألون كيف كنتم في العمل به والاستجابة له!

  

فماذا سنجيب حين يسألنا الله عن القرآن؟ نحفظ منه سورا قصيرة نتلوها على عجل ولا نفهم حتى معناها، والذين يدخلون في الإسلام يكابدون المشاق في تعلم اللغة العربية من أجله ولا يكتفون بالترجمة، ونحن ننتظر وقوع البلاء أو قدوم شهر رمضان لنتذكره! وهجر القرآن ليس هجر التلاوة فقط، بل كذلك هجر تدبره والعزوف عن العمل به، يقول أنس بن مالك: رب تال للقرآن والقرآن يلعنه، فالقرآن ليس بحاجة لمن يتلوه ثم يأوي إلى فراشه الوثير وقد ذكر فيه العلم والعمل حوالي ألف وخمسين مرة، أو الذي يمر على المنكر فلا يَتَمعَّر وجهه ولا يستاء قلبه وقد ذكر فيه النهي عن المنكر في مواضع عديدة.

   
ما من سورة منه إلا وفيها بيان لفضله وعظمته، أو تخويف لمن يجحد بآياته ويكذب به، ففي سورة عبس على سبيل المثال القرآن تذكرة وفي التكوير عظمة القرآن وفي الانفطار جزاء التكذيب به وهي سور متتالية. يقول تعالى في سورة التكوير: "فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (27) لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ"، أي أينما ذهبتم فلن تجدوا أنفع لكم من القرآن وهو المعين والمرشد لمن أراد أن يهتدي ويستقيم. 

  

هو الكتاب النابض بالحركة، سَارِعُوا، استَبِقُوا، اعمَلُوا، رَابِطُوا، صَابِرُوا، جَاهِدُوا، سِيرُوا.. والحياة الطيبة مرهونة بالحركة والعمل والكد. هو خير سكن لمن تاه في حلك، وخير ما نعيش به ومعه وصدق الله: "أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"، فهلا إليه نعود؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

فراس قزاز (32 عاما) مقرئ من القدس، درس القرآن على يد الشيخ محمد المصري من مصر في المسجد الأقصى، بعد أن بدأ مشواره برفع الأذان.

في رمضان قد يلجأ المسلمون إلى الهواتف الذكية للاستعانة بها في تحديد اتجاه القبلة مثلا أو قراءة القرآن الكريم أو معرفة أوقات الفطور والإمساك، ونستعرض هنا ثلاثة من هذه التطبيقات.

الأكثر قراءة