أزمة النُّخَب والحرية الزائفة

 نعيش في العالم كله اليوم أزمة حقيقية تفسّر الكثير من التحوّلات والمعضلات التي نعيشها: أزمة النُّخَب. النُّخَبُ التي تفضّل حماية مصالحها الخاصّة الضيّقة على أن تنظر إلى الكلّ الأعمّ، وهي بهذا تطأطئ الرأس للمنظومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعمل دون كلل ولا ملل على انتهاب ثروات الأرض بنهم عارمٍ. إنه تحالفٌ تواطؤٌ ترضى فيه النخب بالنزر اليسير من المنهوبات مقابل سكوتها عن الظلم والفجور وعظائم الأمور. وهذه الأزمات تتجلّى أكثر ما تتجّلى في البلدان التي نُكِبَتْ بالأنظمة الاستبدادية الملكية أو الجمهورية على حدٍّ سواء. والبلدان العربية هي مثال ساطع على ما نقول. على أنّ الأنظمة "الديموقراطية " في البلدان الأكثر تقدّمًا وتطورًا، على أنها لا تنجو من هذه الأزمات التي تفتك بالنُّخَب. فنحن، بلا ريب، أمام أزمة نُخَبٍ عالمية.

 

إن ملوحة البحار والمحيطات ضرورية جدا للتوازن البيئي على الأرض، ولولاها لقضى العفن علينا في أيام معدودات. دور النُّخَب في المجتمعات يشبه دور ملوحة البحار والمحيطات بالنسبة للتوازن البيئي، هذا طبعًا حين تكون وفيةً لدورها متفانيةً فيه. على عاتق النُّخَب تقع مهمّة الحفاظ على توازن المجتمعات، وعلى صحتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حتى ولو لم تكن ناشطة بالمعنى الحَرَكي، فمجرّد وجودها هو ضمان وصمّام أمان للحفاظ على لُحمة المجتمعات، وسدّ الثغرات فيها، وكبح التجاوزات. وهي في هذا لها تأثير يفوق تأثير المنظومة الرسمية الممثّلة بالمؤسسات من قضاء وتشريع وتنفيذ. فدَوْرُ النخب هو الأهمّ، حتى وإن لم يلبس لباسًا رسميًا.

  

غسيل الأدمغة تتولّى أمره عدة منظومات ومؤسسات تعمل دون كلل في خدمة المنظومة الأخطبوطية الكبرى، وتشكّل رأس الحربة في استتباب الأمر لها على كافّة الصُّعُد

ما نشاهده اليوم هو تنازل النُّخَب عن دورها التاريخي وعن وقوفها سدًّا منيعًا في وجه وحوش الرأسمال والسلطة. فها هي تفضّل التحالف مع النظام المهيمن، حمايةً لمنافع ومصالح وامتيازات تحظى بها بمعزل عن عامة الشعب. أيتها النخب، عندما يأتي الطوفان، فإنه سيغرق الجميع وأولهم أنتم، الوحيدين القادرين على إقناعه بتغيير رأيه وحزم أمتعته والرحيل بعيدًا عن الجميع. فهل أنتم مقنعوه؟ حتى وإن كلفكم الأمر مناصب دائلة ومكاسب زائلة؟

 

وعندما نتكلّم عن النُّخَب فإننا نتكلّم عن تلك الفئات التي تشكّل عصب المجتمع وشريانه الحيوي من حيث قيادتها لكافة الشرائح، ومن حيث تأثيرها الواسع: من المثقفين، أدباء وشعراء ومفكّرين، وأصحاب المهن الحرة كرجال الدين والمحامين والأطباء والمهندسين، إلى الأساتذة الجامعيين والصحفيين والفنانين، مرورًا بكل فرد لديه من الثقافة والاطلاع ما يؤهله للحكم على الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي والتأثير على من هم دونه ثقافةً واطّلاعًا ورؤيةً.

  

 وكلما ازداد قمع المنظومة الأممية اقتصاديًا وسياسيا وعسكريا وثقافيا، كلما اتّسع نطاق نوع من الحرية الزائفة التي تمنح الناس نوعًا من السعادة الموهومة التي تنقلب شقاءً حقيقيًا: الحرية الجنسية. جاءت الحرية الجنسية كتعويض للناس عما افتقدوه من حرية ثقافية وسياسية وعن غلاء الأسعار الذي جعل الغالبية العظمى من الناس تعيش ضمن شريحة الفقراء حتى وإن تمتعوا ببعض الامتيازات دون البؤساء وأصحاب الفقر المدقع.

  

 

الحقيقة الموجعة أننا اليوم طبقتان: الأسياد، الفاحشو الثراء والواسعو النفوذ إلى درجة تكاد تكون مطلقة، والعبيد. نكبة طبقة العبيد أن الغالبية العظمى من أفرادها ترضى بعبوديتها لا بل تستعذبها، بسبب غسيل الأدمغة الممنهج الذي يقوم به الأسياد ليلاَ نهارًا. أما غسيل الأدمغة فتتولّى أمره عدة منظومات ومؤسسات تعمل دون كلل في خدمة المنظومة الأخطبوطية الكبرى، وتشكّل رأس الحربة في استتباب الأمر لها على كافّة الصُّعُد. وهذه المنظومات والمؤسسات هي التي تقوم بوظيفة في غاية الأهمية: وأد كل محاولات التغيير في مهدها، عبر إنتاج جموع غفيرة موالية للمنظومة الكبرى وراضية بعبوديتها ومدافعة عنها. الشق الأول من هذه المؤسسات والمنظومات هو الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب والشبكة العنكبوتية، أي الميديا بكافة أنواعها. أما الشق الثاني فهو المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات ومعاهد تعمل على ترسيخ الأفكار التي تؤدي إلى استتباب الأمر لدى المنظومة الكبرى.

  

مؤسسة العائلة الصالحة والمجتمع المترابط هي الوسيلة الوحيدة لمكافحة هذه المنظومة الأخطبوطية العابرة للقارات. لستُ أتحدث هنا من منظار ديني أو أخلاقي، إنني أتكلم من وجهة نظر براغماتية عملانية بحتة. أيها الناس، يريدون إلهاءنا بالتفاهات والسفاسف لكي يكون لهم الأمر مطلقًا لا ينازعهم فيه أحد. وأساليب السيطرة على المجتمعات والتحكم بها عبر إطلاق العنان للشهوات هي من الأساليب التي تحدّث عنها مثقّفو وأدباء الغرب قبل الشرق، من ضمنهم الكاتب الإنكليزي الراحل المبدع ألدوس هاكسلي في روايته  "عالَم جديد شجاع" أو "عالَم رائع جديد".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

توفي فجر اليوم الإذاعي أحمد سعيد مؤسس إذاعة صوت العرب وصاحب البيانات الرسمية التي تلاها بصوته عبر الإذاعة عند وقوع حرب الخامس من يونيو/حزيران 1967، التي انتهت بهزيمة الجيش المصري.

الأكثر قراءة