شعار قسم مدونات

لا تكن مكبلاً بليت ولعل!

blogs الحزن

حين تتسارع الخفقات في تلك اللحظات المزعومة، تتسارع بشكل يجعلُك قادرًا على استشعار أثرها من اهتزازات في كل خلية مكونة للجسد، تشعر وكأنها بعنفوانها وتسارعها تعيث بك فسادًا، وتُراكم فوق روحك سُحُبًا ملتفةً خانقةً لا منفذ فيها ولا سبيل للمناص منها.. تتساءل عن ذلك الكم من الذكريات الراكدة في قلبك، أو عن سبب اضطرابها في تلك اللحظات بالتحديد، بعد اعتقادك انها وجدت لنفسها ركنًا منسيًا فيكَ لتَخْمُدَ فيه بلا حراك، ولكن هيهات! فتلك اللحظات المنتظرة كي تباغتك بحِمَمِها وتقطِعُكَ بشراستها فتَثمَل من ألمها. في زمنٍ مضى جمعك بهم ضحك ولهو، حزن وفرح، خيبات وانتصارات، وفي حاضر هذه اللحظة لا شيء يخفف عنك جَور الفقد سوى بكاء قد تخور به قواك ويجعلك تشعر بتوحد بالوحدة من بعد الأنس وبالخواء من بعد الامتلاء.

كنت تمل في بعض الأحيان من انتمائك للأشخاص وللمكان، تظن أن بُعد المسافات قد تحي بالنفس جمال الشعور أو ربما شوق وحنين، فتأمل بالعودة وأنت قادر على الاستمرار من جديد، ثم بين تردد وقلق تزيد المسافات ومدتها يومًا بعد يوم حتى تفجع بالفقد نتيجة لعبثية معتقداتك ولانشغالك الدائم أو ربما نتيجة لنرجسيتك وحبك لذاتك، فتغدو يائسًا ملعونًا بالعزلة مدمنًا للخيال وللنظر إلى الوراء، كأن تؤنس نفسك بعيش حاضرك بماضٍ كان، وفي حين آخر تجلد ذاتك بليت ولعل. تشعر بعقم الكلمات وعجزها في وصف المعركة الملحمية التي تدور أحداثها في عقلك، وفي وصف رغبتك بالهرب من تبعات تأنيب الضمير، أو وصف حاجتك لوقت إضافي أخير لك معهم كي ترمم به كل كسر تسببت به وتُضمِّد كل جرح نزف على بعدك حين كنت قابع هناك في منفاك.

تكفهر بوجهك الدنيا، يصبح الهواء ثقيلًا مطبقًا على نفسك الحزينة، ترى نهارك بعدهم أشد ظُلمةً من الليل، وحين تشرق الشمس مرسلة بخيوطها الذهبية دفأها المعتاد، تنبه فيك قدرتك على الشعور وتذكرك بدفء حضنٍ كان أكثر الأماكن اتساعًا لك ولخيباتك حين ضاقت بك الدنيا، فتشعر وكأن كل صوت حولك عبارة عن عويل وانتحاب، فيحيط بك الضجيج بقضبانه فتصبح أسيره بتهمة عدم الاكتراث فيما سبق بمن كنت محور اهتمامه، فترقد أنت وفوق رأسك القلق، قلقٌ على كل ما هو آت دون حضورهم، وما بين شهيق وزفير محاولات لا جدوى منها في تخفيف حدة الألم.

النهايات الحزينة البائسة أكثر واقعية، والخيبات ستبقى على الدوام شوكة بالقلب تؤلم بين الحين والآخر
النهايات الحزينة البائسة أكثر واقعية، والخيبات ستبقى على الدوام شوكة بالقلب تؤلم بين الحين والآخر
 

تُزاحم الأمنيات في قلبك الذكريات علك تجد مهربًا من كل ما تكاثف حولك، تتمنى أن تعود بالزمن إلى الوراء، لتجالسها تحت ضوء القمر، تخبرها بأنك كلما رأيت قمرًا في السماء، أو في صورة بكتاب ما تذكرت وجهها، تخبرها بهيامك بها وكيف سيسبب لك ذلك الهيام بؤسًا وشقاءً في وقت آخر أنت فيه الآن، أو أنك تتمنى أن يتجمد الوقت أو أن تسرق وقتًا آخر لتحظى بمزيد من الوقت في حضورها وأن تمد لها يدك لتراقصها على موسيقاها المفضلة، وأن تخبرها برغبتك بالاختباء في عتمة شعرها وأنك على الدوام كنت تبغض دبوس شعرها على تلك المكانة، وعن تلك النجمة التي وددت اختطافها لتصنع منها عقدًا فتزيدها هي جمالًا لا على العكس، وأنك تريد أن تُبقي كلامك في قلبها كي يسعفها لو أُجبرتَ على الغياب، وأنك تحبها وأنها بداية روحك والسلام.

قد تكون النهايات السعيدة خرافة ابتدعها الناس كي يتجاهلوا بها الحقيقة، وأن الإنسان قادرٌٍ على أن يتجاوز الخيبات بعد مدة غير معلومة من الزمن خرافة أيضًا، فالنهايات الحزينة البائسة أكثر واقعية، والخيبات ستبقى على الدوام شوكة بالقلب تؤلم بين الحين والآخر. كل الحكاية أنك لا تعي كل ضروري غالبًا إلا إثر صدمة ما أو بوقت لا تسمن ولا تغني فيه معرفتك عن جوع.

كنت قبلهم كما الغريب، وها أنت تعود من حيث بدأت، تشتهي أن يكون لك صديق أو حبيب، كانت همومك تذوب معهم، أما الآن بتًّ قلقًا في مضجعك متكوراً على ذاتك الحزينة لا شيء في ليلك سوى حنين وحسرات، فمن تحب سكنوا المقابر قبل الآوان أو رحلوا دون عودة لكنهم رحلوا مع سابق إنذار، وما أثقل الدنيا بعد أن كانت تُحيا بهم، قد كان لك مجدٌ وحبٌ وحياةٌ ولم يبقى لك سوى ذكريات ستكون قاتلك في يوم ما، عصيت المشاعر وكتمت الكلام ولم تعطِ قيمة للأشياء، فامشِ بدربك مصاحبًا للأنين وامضِ في ما تبقى من أيامك مع الحزن العميق وحدك، بعد أن فقدت كل شيء رقيق، تردد كما الأحمق: يا ليتني، يا ليتني، يا ليتني.