من "الثورة العربية" بالدولة العثمانية للثورة الاقتصادية على تركيا

التحالف الذي قاده لورانس في البادية العربية عام 1915 وقوض النظام الإقليمي الجغرافي والثقافي لمنطقتنا في وقت كان العالم فيه يستعد لدخول عصر التكتلات الجغرافية والثقافية وكانت الأمم الصغيرة تلوي أعناق نصوص التاريخ لتوجد لها آصرة حضارية تسويغية تلتحق بها بكتل الأمم الكبرى، ذلك التحالف الذي فتت منطقتنا بين مصالح القوى الكبرى في الخارج والأقليات في الداخل ومنح اليهود نصيبهم منها عاد في 1991 وقوض النظام الإقليمي العربي (الذي كان قد تمكن بعد ثمانية عقود من أن يلملم نفسه ويضعها على الخريطة ويحقق سيادة إقليمية) وذلك بتجويع العراق ثم تدميره ثم تفكيكه وإزالته عن الخارطة السياسية والعسكرية والثقافية.

 

ما من شك أن الدولة العثمانية التي ثارت البادية عليها كانت مثقلة بأخطاء استراتيجية بل إن الدولة العثمانية كانت قد سقطت عمليا في 1908 عندما خلع السلطان عبد الحميد وحل محله نظام قومي هو الاتحاد والترقي يتنافر مع هوية المنطقة ويرفض الإصغاء إلى النصيحة. كل شيء خضع للتغييرات العميقة في عاصمة الدولة العثمانية (استانبول) بعد الانقلاب وليس السياسة فقط، كان الابتعاد عن الطبائع والقيم الاجتماعية والدينية وغزو الحياة الغربية والإساءة العلنية للإسلام يحدث بوتيرة عالية كما وصفها من زار استانبول قبيل وبعيد الانقلاب.

 

رغم ذلك حرص حكماء العرب ممثلين بمثقفيهم ووجهائهم وعلمائهم من أمثال محمود شكري الآلوسي (العراق) شكيب أرسلان (لبنان) عبد العزيز الثعالبي (تونس) رشيد رضا (مصر) حرصوا على المحافظة على النظام الإقليمي (العثماني) لأن ذهابه في رأيهم يعني هيمنة الأوربيين على المنطقة. هؤلاء الحكماء وآخرون مثلوا الشريحة الأغنى فكراً في المجتمع العربي والأوسع إطلاعاً على ثقافات الشعوب وكانوا ممن حمل راية المقاومة ضد المحتل الإنكليزي والفرنسي ونشر ثقافة المقاومة وتعرض للنفي.

 

تركيا ليست خالية من الأخطاء لكنها هي مقبلة اليوم على العرب غير مدبرة كما كانت يوم قرر حكماء العرب قبل قرن صون سلامة النظام الإقليمي الذي كانت على سدته خشية المجهول القادم
 

وما من شك أن العراق بدخوله الكويت ارتكب خطأ استراتيجياً كارثياً (رغم كل المعطيات) لكن تدميره في الحرب التي قادتها أمريكا في 1991 لإخراجه من الكويت ثم احتلاله في 2003 وتفكيكه كدولة وكقوة عسكرية موازنة أمام إيران ترك دول المنطقة عزلاء أمام خصمها الشرقي اللدود أشبه بنسوة في منزل يتربص به سفاحون وعلى بابه حارس مفتول العضلات حينما قرر النسوة قتل البواب انفتح الطريق واندفع السفاحون ووقعوا قتلاً في الأنفس وهتكاً في الأعراض وسط صيحات الاستغاثة وما من مجيب.

 

في 2018 يتكرر ذات الدور وتهاجم البادية الشظية الأخيرة المتبقية من النظام الإقليمي القديم (تركيا) أمنياً في انقلاب عسكري لو قدر له أن ينجح لدخلت تركيا أتون حرب أهلية ولظهر فيها إسلام كإسلام داعش واتسع رقع مجتمعاتنا ومن جهة أخرى لغصت أوربا بالنازحين الأتراك وعلا فيها اليمين المتطرف وقلبت حياة مسلميها جحيما، وتهاجمها اقتصادياً (بعد أن امتلكت المال) بزعزعة عملتها وتقويض الاقتصاد الحقيقي الوحيد الذي يمكن أن يكون نواة لمنظومة اقتصادية إقليمية لأن ما سواه هو اقتصاديات ريعية تقوم على بيع ما في باطن الأرض، وتهاجمه إعلامياً بتكسير أسس الوشائج الثقافية والاجتماعية بين العرب والأتراك في الحقبة العثمانية وإدخال الأجيال الناشئة في حيرة حضارية ودوامة يأس.

 

تركيا ليست خالية من الأخطاء لكنها هي مقبلة اليوم على العرب غير مدبرة كما كانت يوم قرر حكماء العرب قبل قرن صون سلامة النظام الإقليمي الذي كانت على سدته خشية المجهول القادم. نجاح البادية في تقويض النظام الذي يمثل خط الدفاع السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي الأخير في منطقتنا هو إجهاز على آخر حواضرها (بعد بغداد ودمشق) وعلى إمكانيات مجتمعاتها لإعادة تنظيم صفوفها ولزمن قادم غير قصير كما هو معروف في أبجديات إدارة الصراعات بين الأمم. حقا (كما قال ابن خلدون) إنه صراع البداوة والحضارة، وغني عن البيان ان هذا الموضوع يتعرض إلى أنظمة الحكم وبيئتها اللبرالية ولا يمس الناس.



حول هذه القصة

يخوض نشطاء سعوديون وإماراتيون حملة على مواقع التواصل هدفها مقاطعة السياحة في تركيا بدعوى تردي الأمن وانتشار أعمال العنف. بالمقابل، شن نشطاء من دول عربية حملة مضادة لتشجيع السياحة بتركيا.

28/5/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة