مالذي يحتاجه الأردنيون بشدة؟

منذ أن استلم مهاتير محمد رئاسة وزراء ماليزيا في فترته الأولى التي امتدت من 1981 وحتى 2003، أصبحت ماليزيا من ضمن المجموعة التي كان يطلق عليها النمور الآسيوية، ويرجع له الفضل خلال تلك الفترة في نهضة البلد وتقدمها، حيث تحولت خلال فترته من دولة زراعية رعوية تعتمد على اقتصاديات الخام من إنتاج المواد الأولية وتصديرها، إلى دولة صناعية بامتياز، إذ باتت الصناعة تشكل ما ونسبته 90 بالمئة من موارد الناتج المحلي الإجمالي، وتحولت من دولة تصدر المواد الخام إلى دولة تصدر السلع المصنعة والنهائية بنسبة تصل إلى 85 بالمئة من إجمالي الصادرات.

  

لقد اعتمد مهاتير محمد على ركيزة أساسية في إصلاح ماليزيا والمضي قدما في تطورها، وهي ركيزة صَهر المجتمع الماليزي متعدد الأعراق والأصول في بوتقة اجتماعية واحدة، فمن المعروف أن ماليزيا تضم أعراق كثيرة ومختلفة مثل الأكثرية المسلمة الملايو، وجاويون، وبوغيس، ومينانغ الذين قدموا جميعهم من إندونيسيا، وبوميبوتر وهم السكان الأصليين من غير الملايو، والعرقيات التايلاندية، والخمير، والتشام، وإيبان، وكدازان، ودوسن، وباجاو، ومجموعات أقل تسكن في شبه الجزيرة تعرف باسم أورانج آسلي.

  

مهاتير محمد ومن أجل مصلحة بلده ماليزيا ذهب بعد فوزه في الانتخابات إلى أنور إبراهيم في محبسه بالسجن ليقدم له اعتذاره ويخرجه من محبسه

رغم ذلك، نجد أن مهاتير محمد الذي ربما تمتع بقدرات عقلية خارقة حتى استطاع توحيد مجتمع وشعب مماثل، رغم ذلك لم يتعاطى بنعومة مع خصومه ومعارضيه أو من خالفوه الرأي يوما، ففي سنة 1998 أقال الرجل الثاني بعده في الحكومة، ويده اليمنى الذي كان يتقلد منصب وزير المالية ومنصب نائب رئيس الوزراء أيضا وهو أنور إبراهيم، والذي كان يُتوقع له أن يخلف مهاتير محمد في رئاسة الوزراء. والغريب في الأمر أنه لم يتم فقط تجريد أنور إبراهيم من كافة مناصبه واقتياده إلى السجن بتهم الفساد المالي والإداري، لا بل لَّفق له مهاتير محمد أيضا تهمة اللواط، حتى يقضي على حياته السياسية تماما، ويدمره ويحطمه.

 

لكن ما إن انتهت فترة حكم مهاتير محمد أوائل الألفينات حتى غرقت البلاد مجددا في الفساد والتراجع المالي والإداري والتضخم الحكومي والهدر في المال العام وتزايد الدين العام والبطالة وانخفاض القوة الشرائية للروبية، خاصة خلال فترة حكم رئيس الوزراء الأخير محمد نجيب عبد الرازق، لم يقوى مهاتير محمد على رؤية بلاده تغرق مجددا في مستنقع الفساد والظلم بعد أن جعل منها يوما نمراً آسيوياً، وها هو اليوم وفي عمر 92 سنة يحقق فوزا ساحقا في الإنتخابات البرلمانية في مايو/أيار المنصرم من خلال فوز تحالف المعارضة الذي يقوده، وكلنا سمعنا عن عشرات الملايين من الدولارات التي أعادها إلى الخزينة فور توليه رئاسة الوزراء، وكلنا شاهدانا على مواقع التواصل الاجتماعي تلك الصور لمئات الحقائب الفاخرة الملأى بماليين الدولارات والمجوهرات والمقتنيات الثمينة التي تم ضبتها داخل عشرات الشقق التي كان يمتلكها رئيس الوزراء الأسبق عبد الرازق وزوجته، وكيف منعه وزوجته وعائلته من السفر خارج البلاد وأحاله إلى التحقيق بتهم فساد مالي وإداري ضخمة كانت سببا في دخول ماليزيا في مستنقع من الفساد خلال تلك السنوات الأخيرة.
 
لكن الأهم من ذلك كله، هو أن مهاتير محمد ومن أجل مصلحة بلده ماليزيا ذهب بعد فوزه في الانتخابات إلى أنور إبراهيم في محبسه بالسجن ليقدم له اعتذاره ويخرجه من محبسه، ولم ينس فضل أنور في نهضة ماليزيا عندما ركز على التعليم جاعلا راتب المعلم كراتب الوزير منشئاً بذلك جيلا من الشباب والخريجين قادوا وقتها نهضة ماليزيا إبان فترة رئاسة مهاتير محمد الأولى للوزراء، ودعاه الأخير فورا لتشكيل الحكومة ونسيان الماضي، لأنه يعلم جيدا أن رجالا أمثال أنور هم خير سند وهم من سينهضون بالبلد مجددا ويداوون جراحها الغائرة الكثيرة.

 

المدهش في الأمر برمته عزيزي القارئ أن أنور إبراهيم هذا، قَبِل على الفور اعتذار مهاتير محمد له، لأجل مصلحة البلد أيضا، ووضع يده بيده مبتسما متناسيا الماضي المؤلم والتهم التي لُفقت له وخاصة تهمة اللواط التي كادت أن تلطخ تاريخه ومستقبله بعد أن رُفض الاستئناف الذي قدمه في 2009 بشأن رد التهمة، وبوشرت محاكمته مجددا في 2010 حتى حصل على البراءة وأُفرج عنه فورا في 16 أيار 2018 يوم فوز مهاتير محمد في الانتخابات.

  

أنور إبراهيم (يمين) ومهاتير محمد  (غيتي)

 

ما يحتاجه الأردنيون في هذه الأوقات العصيبة هو رجال كأمثال مهاتير محمد وأنور إبراهيم، لينشلوا البلد من بين براثن الفساد وتغول المتنفذين على القانون والمال العام وجيب المواطن المعدم، ليخلصوا البلد من مسؤولين يسقطون على رؤوس الشعب بالبراشوتات لا يعلم أحد كيف اختيروا ولا من أين جاؤوا وما هو معيار اختيارهم وتسلمهم للمناصب، لا يملكون برامج حقيقية ولا رؤى سياسية أو اقتصادية ولا يطيقون العمل الجاد من أجل البلاد والعباد، ليخلصوا البلد من مسؤولين أهملوا الزراعة والصناعة والسياحة ولم يحافظوا على موارد البلد من فوسفات ومطارات وموانئ بحيث تسببوا في أن يحتمي اقتصاد البلد الهش بسياسات البنك الدولي وكأنهم موظفين لديه، ليخلصوا البلد من المحسوبية التي ضخمت أجهزة الدولة الحكومية والإدارية بمئات الألوف من الموظفين والمستخدمين الذين لا يسمنوا البلد ولا يغنوها من جوع، كيف لا وهذا الجيش من الموظفين يتقاضى اليوم رواتب تفوق ما نسبته 75 بالمئة من موازنة الدولة العامة التي أرهقت وما زالت ترهق جيب المواطن، وهذا ما ساهم وما زال يساهم بدخول البلد في نفق مظلم وعنق زجاجة طويل جدا.

 

ما يحتاجه الأردنيون اليوم عزيزي القارئ هو ليس تغيير الحكومات وتعديلها، بل تغيير نهج اختيار رؤساء الوزراء والوزراء والمسؤولين وكل الحكومة، ما يحتاجه الأردنيون اليوم ليس حل المجالس النيابية وإجراء انتخابات جديدة، بل تغيير قانون الانتخاب الحالي الذي أنشأ مجالس نيابية فاشلة وضعيفة معظم نوابها جاؤوا تحت القبة من خلال انتخاب أقاربهم لهم بعيدا عن البرامج والمنافسة الحقيقة.

 

ما يحتاجه الأردنيون اليوم ليس فقط سحب مشروع قانون ضريبة الدخل، بل معرفة ما هو المقابل أيضا لكل ضريبة يدفعها المواطن، ما يحتاجه الأردن اليوم هو ثورة في التعليم، وثورة بيضاء في أروقة الدولة، والتركيز على الإنسان وتمجيده، الإنسان الذي هو أهم موارد الدولة.



حول هذه القصة

قال مصدر روسي إن لقاء بين روسيا والولايات المتحدة والأردن بشأن سوريا سيعقد قريبا على مستوى نواب وزراء الخارجية، وذلك بعد يوم من مباحثات روسية إسرائيلية بشأن الأوضاع قرب الجولان.

1/6/2018

يواصل محتجون أردنيون حراكهم ضد قانون ضريبة الدخل الجديد، وأكد مجلس النقباء إصراره على سحب القانون، وذلك رغم إعلان الملك عبد الله الثاني تجميد قرار رفع أسعار المحروقات والكهرباء.

1/6/2018

أغلق محتجون أردنيون الليلة الماضية طرقا رئيسية في عدد من مناطق البلاد احتجاجا على سياسات الحكومة الاقتصادية ورفضا لمشروع قانون ضريبة الدخل، وسط أنباء عن تعليق كافة الفعاليات الاحتجاجية بالبلاد.

2/6/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة