لم أسقط.. بين قنابل الغاز

تلك الثورة التي أُشعلت فينا منذ أن أبصرنا النور على أرض فلسطين، لم تنطفىء، سواء إزدادت وتيرتها أو قلّت، لكن الذي يعيش في وطنٍ محتل لن تُخمد لهيب شرارة ثورته؛ حتى يتحرر وطنه. مسيرة العودة الكبرى، النقطة التي حولّت عدسة العالم تجاه غزة التي تتمرد على الظلم والقهر بعزتها وشموخها، حاصروا غزة، وضغطوا عليها بضعفها فأصابتهم شظايا قوتها، ساندت نفسها بأبنائها، تحدّت ظروفها، وقلة إمكانياتها، لتضرب جلّاديها.

الثلاثين من مارس لعام 2018 كانت بداية الشرارة التي ما زال وقودها متقد، بهمة أبطالها، وقوة رجالها، لتصفع كل مؤامرةٍ ووهم صفقةٍ مسماه بـ "صفقة القرن" تسرق أرض فلسطين، وتحرم أهلها من العودة إليها. بصحبة جدتي التي رافقتنا إلى مخيم العودة، وهي تضع كوفية فلسطين على كتفها، لتزداد بهاءً فوق بهائها، وكأن ملامح الأرض التي تقابلنا انعكست على وجهها، والروح بُعثت في أنفاسها، لتنبض بالعشق، وترتل الدعوات.

يدُ جدتي التي لامست يدي وهي تخطو نحو طريق العودة، كانت ناعمة الملمس رغم خشونة الأيام التي عاشتها منذ سبعين عاماً، نظرت إليها مليّاً وهي تُسرب إلى أوردتي نور الطريق، فيداها الجميلتان ترسم بتجاعيدها خطوط الوطن المسلوب فلسطين. جلسنا على بُعد أمتار، بجانب أهازيج النسوة، وأغاني العودة، لتمتزج أصواتهن بصوت جدتي، ويعلو صوت الوطن، على صوت قنابل الاحتلال التي سقطت بالقرب منّا. لم يعد قلبي يحتمل الجلوس، ولم يعد للروح أن تعتاد الركون، فالاستسلام لم يكن في قواميس أيامنا، والخوف لم يُسطر في كتب مقاومينا، لنتقدم أمتار قليلة، ونبصر أرضنا عن قرب، وأخطو خطوات العودة التي رسمها لي جدي قبل رحيله، ودونها في دفتري بقلم الرصاص حين جلسنا نخطط للعودة وتفاصيلها وحاجياتنا التي تلازمنا.

يبقى حلم العودة وأنغام الأهازيج التي بقيت ألحانها مترنمة في صباحنا ومساءنا، لننسف كل مقولةٍ زائفة قائلةً بأن "الكبار يموتون والصغار ينسون"، ونستمر بقوةٍ حتى عودة أرضنا المحتلة

جرائم الاحتلال الإسرائيلي التي يرتكبها على مدار سنوات احتلاله لأرضنا، ما زالت مستمرة بحق المدنيين العُزل، المشاهد التي حفظتها من أحاديث أجدادي ووالديّ، وقرأتها من الكُتب، تحولت إلى مشاهد أمام عيني، وصوراً داخل عدسة كاميرتي، لأنقلها للعالم أجمع. بين تلك الصور، سقطت قنابل الغاز، على جموع المتظاهرين السلميين، حاولت الابتعاد لأمتار قليلة، ثم عُدت لأكمل التقاط الصور، التي كان من بينها شباباً وأطفالاً أصيبوا بقناص الاحتلال الإسرائيلي، وهم يرفعون علم فلسطين. رغم ما تعرضنا له من قبل الاحتلال قضينا الجمعة الأولى وأكملنا فعاليات ثورتنا السلمية ثورة العودة، لنستمر حتى في جمعة الكوشوك التي تلتها جمعة حرق العلم، ليكون العلم الوحيد الذيى يرتفع على هذه الأرض هو علم فلسطين فقط، وزعم الاحتلال بعلّمِهم ليس له سوى الحرق، ويصبح تحت أقدام الثوار.

ألقى الاحتلال بجانبنا قنابل الغاز التي اختلفت أنواعه، لم أحفظ منها مذ قبل سوى المسيل للدموع؛ لأصاب بغاز الأعصاب، ظنّاً من الاحتلال أننا سنسقط أرضاً، لكنني استنشقت الغاز اللعين، وحاولت أن أنقذ نفسي، لكنني أكملت طريقي والتقطت عدة صور، لكن الغاز تسرب إلى جسدي، وأجلس بجانب صديقتي التي أنقذت حياتي. غبت عن عالمنا الحقيقي لدقائق معدودة لكنني استيقظت على ابتسامة الحكيمة سحر في الغرفة الطبية، وهي تقول :"المهم أنها استيقظت"، ضحكت وأخبرتها أنني بخير وسأعود فوراً إلى ميدان المواجهة لأكمل المشوار، فلسنا الذين نُهزم، استعدتُ قوتي فوراً، رغم أعراض غازهم اللعين الذي بقي في جسدي لأيام، وسرق صوتي، لكنني أكلمت الطريق وعُدت لمخيم العودة في الأيام التالية.

إن ظن الاحتلال أننا نغير مسار طريق عودتنا، فهو واهمٌ تماماً كالوهم الذي تغلغل في عقول الصهاينة الذي جاءوا واغتصبوا أرضنا واعتقدوا أنها لهم، ومارسوا جرائمهم بحقنا رغم القوانين التي كفلها لنا العالم بحقنا في المقاومة بكافة الوسائل المشروعة، من أجل أن نعيد أرضنا حرة، ويعود أصحابها لها. ويبقى حلم العودة وأنغام الأهازيج التي بقيت ألحانها مترنمة في صباحنا ومساءنا، لننسف كل مقولةٍ زائفة قائلةً بأن "الكبار يموتون والصغار ينسون"، ونستمر بقوةٍ حتى عودة أرضنا المحتلة، والتي بتنا على يقينٍ بأن الثورة التي زرعناها ستحصد وطناً حُراً.



حول هذه القصة

بدأ الأطباء الموريتانيون أمس الاثنين إضرابا مفتوحا عن العمل للمطالبة بزيادة رواتبهم وتحسين ظروف العمل في المستشفيات، بحسب ما أعلنه رئيس نقابتهم محمد ولد داهية.

8/5/2018

أشارت الرابطة الألمانية لأطباء الأطفال إلى ‫أنه في حالة ذهاب الطفل لدور رياض ‫الأطفال واختلاطه مع أطفال مصابين بالحصبة، فإنه يمكن إعطاء ‫الجرعة الأولى من التطعيمات بالشهر التاسع من عمره.

8/5/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة