زفة عروس وفق بروتوكولات إلهية!

سبقتنا رزان النجار المسعفة العشرينية، وطارتْ نحو نجوميةٍ لا سقوط بعدها ولا تحديات، ولا متاعب تتعلقُ بالحفاظِ على تألقها وارتقائها؛ فقد اعتلتْ أعلى درجةٍ في سُلم المجد، وستبقى كذلك عالية إلى أن يرثَ الله الأرض ومن عليها..!

  

كانتْ "الأولى" التي تُحلقُ بجناحيها الملائكين في سماء الخلود، ثوبها الأبيض هو فستان زفافها، وتلك الدماء التي خضبتْ يديها كانتْ أجمل حناء، وأروع طلاء لأظافرها، أما عن ابتسامتها فهي تختصرُ رسالة ملائكة الرحمة من حنانٍ ونقاءٍ وطهرٍ يسمو على كلِ الشحنات السلبية التي تُخلفها مشاهد الحروب والقتل والدمار والخراب، فرغم كل المخاطر كانتْ ضاحكة، تطيرُ بين المنتفضين السلميين بخفةٍ يعجزُ شعراء الغزل عن وصفها..!

 
"متطوعة" لم تشكو قلة حيلتها مع الرزق، ولم تلعن ظروفها الاقتصادية السيئة التي حالتْ دون أن تُكمل تعليمها الجامعي، بل التحقتْ بعشرات الدورات التدريبية؛ لتتقنَ فن إسعاف الجرحى، ولتتفننَ في إنقاذ أرواحهم وسحبهم إلى ميدانِ الحياة، في تحدٍ واضحٍ لجنود الاحتلال الإسرائيلي المدججين بالأسلحة المحرمة دوليًا، قالتْ رزان لكلِ من يُزادون على مسيرات العودة الكبرى التي ينظمها أهالي قطاع غزة المحاصر منذ اثني عشر عامًا والتي انطلقتْ يوم الثلاثين من مارس/آذار على حدود التماس مع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ثمانيةٍ وأربعين، قالتْ لهم "نحن نخرجُ إلى الحدود بإرادتنا، لنحمي أرضنا وحقنا في العودة، ولن نتراجع ولن يُرهبنا الرصاص ولا الغاز المسيل للدموع "وحين سألوها عن المخاطر التي تواجهها قالتْ" من هنا بدأتُ الدرب وهنا أيضًا سأنهيه" في إشارةٍ منها إلى الحدود التي تُرابطُ عليها بأدائها واجبها الإنساني كممرضة تداوي الجرحى وتقدم لهم الإسعافات الأولية..
 

هنيئًا لكِ "رزان النجار" الزفةِ المهيبة التي أعدتها لكِ الملائكة، هنيئًا لكِ بحجم ملائكيتكِ، وحدهم الملائكيون من أمثالك من يستحقون كل هذه البروتوكلاتْ الإلهية لاستقبالهم

نصحتْ رزان كل الفتيات بأن يحاربن من أجل أهدافهن، وأن يتجاهلن كل الساخرين منهن، بكتابتها عبر صفحتها الفيسبوكية "حاربي من أجل أحلامك ولا تلتفتي لأيِ أحدٍ يقلل من شأنها؛ فالذين يسخرون منها اليوم، سيكونون في الغد ضمن طابور المصفقين" وأي طابورِ مصفقين هذا يا رزان، وأي طابور من المحبين والمعجبين بأدائك الإنساني وخطاكِ الثابتة، ويقينكِ وعزمك وشجاعتك التي غلبتْ شجاعةَ زعماءَ ورجالَ لا حصرَ لأعدادهم، فكنتِ فتاةَ الأمة التي حركتْ المشاعر من بعدِ ركود، خاصةً وأن البعضَ باتَ لا يؤمن بجدوى مسيرات العودةِ ودورها في تأليبِ العالم كله ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي يحولُ دون حصول الفلسطينيين كل الفلسطينيين على أدنى حقوقهم الإنسانية..!

  
ما أجملك وأنتِ تخطين بدمائكِ شعارَ الجمعة العاشرة "من غزة إلى حيفا" صداكِ لم يصل إلى حيفا فقط، بل هزَ قلب كل لاجئٍ لوعّته الغربة في دول الشتات ومخيمات المنافي، سكتِ عن الثرثرة وفوضى الكلامِ، لتتابعي أعمالك التطوعية بكلِ شغفٍ، فما أنبلَ موقفكِ حين كتبتِ ونفذتِ ما كتبتِ "ضع يدك على جرحك، ودع سكوتك، يُحْدِثُ ضجة" أيُ ضجةٍ قصدتِ بمنشوركِ هذا يا رزان، هل هي ضجةُ إحساسكِ بأنكَ ستكونين العروس الوحيدة في الجمعة العاشرة، أيُ شرفٍ هذا الذي خصكِ به الإله جل في علاه حينَ منحكِ وسام حصريًا بكِ لا يُنازعكِ فيه أي شهيد، فلا شهيد ارتقى معكِ حتى من الذكور، كأن الكرم الإلهي لكِ، لئلا نتقاسم المشاعر والأحساسيس بينكِ وبين الآخرين من الشهداء، فحصدتِ تعاطفَ كل شعبكِ، فكل من عرفك ومن لم يعرفك، كتبَ عنكِ، وبكاكِ، وفي ذات الوقتِ شعرَ بالغبطةِ، فأن تقابلين ربكِ قبل آذان المغرب والناس صِيَام، وفي جمعةٍ مباركةٍ، وعلى حدود التماس وأنتِ في حالة رباطٍ وجهاد، وعملٍ تطوع، هذه مكرمة إلهية استثنائية لأنثى حقًا كانتْ استثنائية في رحلتها القصيرة مع الحياة..!

 
لم أرَ لكِ منشورًا واحدًا وأنا أتفقدُ صفحتك الفيسبوكية يلعنُ الواقعَ ويستسلمُ له، كلُ أقوالكِ وكتاباتكِ تحفيزية، تصلحُ لأن يستقي منها مدربو التنمية البشرية أفكارهم، فلا تدريبَ يعلو على تدريبكِ الذي استبسلتِ في الدفاعِ عنه بدمائك، كنتِ ثورية رائدة، شهيدة أصيلة، عروس تأبى الانكسار، تُحرض على المضي إلى الأمام، تخاطبين شقيقاتكِ في تاء التأنيث "كوني في الطريق عفيفة الخطى، لطيفة السمع، عفيفة النظر، وكوني شخصًا إذا أتوا بعده يقولون "مرت تلك جميلة الأثر" نصيحتُك هذه كنتِ أول من يُطبقها وكأنكِ بذلك تقولين لنا "سأبدأ بنفسي أولا، ولن أكون من الذين يقولون ما لا يفعلون"..!

 

 رزان النجار (مواقع التواصل

  
شخصيةٌ متكاملة، تؤمنُ بأن الدنيا محطات، كيف لا وأنتِ أيضًا من كتب "لما تشوف شخص مبسوط وناجح افرحلوا وشجعوا مو تنقهر منه وتحقد عليه، عشان ربنا يحطك في نفس الموقف ويفرحك والناس تفرح لفرحك".. ما أنضجَ عقلكِ وأنتِ تدوسين شعور النقمةِ بين الأقران بكلتا قدميكِ وتمضينَ نحو العدالةِ الإلهية..

 

مكتظةٌ صفحتكِ عبر موقع التواصل فيسبوك بالعبرِ الجميلة، كأنكِ أردتِ أن تكون منبرًا لكِ بعد ارتقائكِ، مضيتِ وكلكِ إيمانٌ عميقٌ برب الكون، أناملك التي خطتْ ما يحمله القلبُ من شعور تُحفزنا لنصححَ عيوبَ الروح قبل الجسد، سنطبقُ ما أردتِ "قل لنفسك أنا لا أُستعبد، أنا نفحةٌ من روح الله"..!
رحلتِ يا رزان، وتركتِ لمؤسسات حقوق الإنسان الدولية بياناتِ النعي والشجب والاستنكار التي لا تُسمن ولا تُغني عن لهفةِ الفراق التي تعتصرُ قلوب أهلك ومحبينك وزملائك والمعجبين بكِ ممن تلقفوا نبأ ارتقائكِ كصفعةٍ تمنوا لو يخرج أحد ليُكذبها..!

بالأبيض ستزفكِ ملائكة الرحمة يا أيقونةَ الرحمة، ستطيرين إلى عالمٍ يُشبه مبادئك السامية، عالم رحيم بتطلعاتك، عالمٌ لن تحزني فيه أبدًا، ستقرين عينًا في جنةٍ لا تُشبه شيئًا، فيها لا عين رأت ولا أذن سمعتْ ولا خطر على بالِ بشر، هناك ستراقبين مسيرات العودة وجرحاها، وتبتسمين كلما أغاظَ أحدهم جنود الاحتلال الإسرائيلي وتقدمَ واستبسل، ستُصافح روحك كل من سبقوكِ من شهداء العودة وحروب غزة الثلاثة، ستلتقين بزملائنا ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين، ستواصلين ضحكاتكِ الجميلة ولكن هذه المرة، ضحكة من أعماق القلوب، لا ضحكة كبرياء على حياةٍ عشتيها بلا وظيفة وبلا كهرباء وبلا ماء وبلا سفر وبلا رواتب وبلا حقوق..

 

نامي يا ملاك الرحمة، بل نامي يا مسك فايح كما يُناديكِ أحبابك، نامي يا رزان، نامي نومًا لن تشقين به أبدًا، نامي فنحن على العهدِ باقون، الجنة موعدنا، هنيئًا لكِ مقامك المحمود وإفطاركِ فيها، هنيئًا لكِ الزفةِ المهيبة التي أعدتها لكِ الملائكة، هنيئًا لكِ بحجم ملائكيتكِ، وحدهم الملائكيون من أمثالك من يستحقون كل هذه البروتوكلاتْ الإلهية لاستقبالهم، بروتوكلات أسمى وأرقى من كل البروتوكلات الدولية، هنيئًا ثم هنيئًا إلى آخر رمقٍ في عروقنا هنيئًا، والخزي والعار لمن قتلكِ ولمن صمتَ على جريمة قتلك، ولمن أدانها واستنكرها على خجل..!



حول هذه القصة

استشهد شاب فلسطيني برصاص مستوطن وجنود الاحتلال قرب الحرم الإبراهيمي بالخليل، بزعم محاولته دعس عدد من الجنود. في حين شيعت جماهير غزة جثمان الشهيدة المسعفة رزان النجار التي استشهدت الجمعة.

2/6/2018

استشهدت فتاة فلسطينية وأصيب العشرات برصاص جنود الاحتلال في الجمعة العاشرة من فعاليات مسيرات العودة، التي انطلقت بعد ظهر اليوم في قطاع غزة قرب السياج الحدودي.

1/6/2018

بينما كان العالم يحيي يوم المرأة، أعدمت قوات الاحتلال المقدسية فدوى أبو طير صباح الثامن من آذار/مارس العام الماضي، مدّعية أنها كانت تنوي تنفيذ عملية طعن قرب الأقصى.

8/3/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة