البوليساريو.. حلقات مفقودة وأطراف مغيبة في نزاع الصحراء

مع توالي المناوشات بين المغرب وجبهة البوليساريو على الأراضي الصحراوية المتنازع حولها، دقت طبول الحرب في منطقة المغرب العربي أكثر من مرة فقط خلال هذه السنة، وطفى على السطح نقاش الشرعية والمشروعية.

  

حجج الدولة المغربية

شكلت البيعة بكل ثقل مدلولها التاريخي والديني على الدوام، الشرعية التي تجمع سلاطين وملوكك المغرب بالصحراء؛ منذ قيام الدولة الإدريسية سنة 172هـ حتى اليوم، في الجنوب كما في الوسط والشمال .يقول تعالى "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ " وفي البيعة وعلاقتها بمشروعية الحكم يقول الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي في كتاب "أنثروبولوجيا الملكيات، الملكية المغربية نموذجا" أن السمات الدينية للسلطة الملكية المغربية معرفة جدا، تتلخص أساسا في البيت الشريف، وفي البيعة؛ فعن طريق النسب يشترك السلطان في المعجزة النبوية، كما تحقق البيعة له الإجماع حول شخصه.

 

تعتبر السلطات المغربية علاقتها بالقبائل الصحراوية قديمة قدم مع الدولة المغربية ذاتها، ويحتفظ الأرشيف المغربي بمجموعة من الوثائق في الموضوع، مثل زيارة قام بها المولى إسماعيل 1672-1727 م لأرجاء البلاد، قادته أيضا إلى شنقيط (موريتانيا حاليا) أي؛ أنه اجتاز الصحراء كمجال سيادي، أو تلك التي قام بها السلطان (مولاي الحسن – 1894) م حيث عين بها جملة من القواد والعمال والعساكر قبيل فرض الحماية على المغرب، وكذلك الأمر مع باقي السلاطين والملوك.

  
فرضت فرنسا الحماية على المغرب سنة 1912؛ فاحتلت الوسط، بينما سيطرت إسبانيا على الشمال والجنوب، بعد مجموعة من الاتفاقيات الخفية والمعلنة بين القوى الأوروبية الاستعمارية، خاصة فرنسا، وإسبانيا، وانجلترا، وألمانيا؛ في حين كانت مدينة طنجة دولية، جميعها كانت تعترف للمغرب بسيادته على الصحراء .ولما انتهكت إسبانية هذه السيادة حارب الشيخ ماء العينين حتى سنة 1908 الفرنسيين ممثلا للسلطان بالأقاليم الجنوبية للملكة، واستمر الجهاد عن طريق ابنه أحمد الهيبة الذي قاد حركة قاعدتها الأساسية عموم الصحراويين، ومرجعيتها تأييد ومباركة السلطان مولاي عبد الحفيظ.

  

موقف جبهة البوليساريو
لم تعترف البوليساريو بالخطوة المغربية فحاول الأفارقة حلحلة المشكل داخل المنظمة الأفريقية واعترفوا بها عضوا في المحفل الإفريقي سنة 1984 ليغادره المغرب فورا، وتأخذ الأمم المتحدة زمام الأمور بنفسها

تأسست "البوليساريو" في 10 مايو/أيار 1973 بمبادرة من شباب صحراويون، كانوا يتابعون دراستهم بالرباط في جامعة محمد الخامس، أبرزهم الولي مصطفى السيد، ومحمد عبد العزيز، وولد الشيخ بيد الله.. جمعهم تبني الفكر اليساري، وكره النظام المغربي، ومقاومة الاحتلال الإسباني. وعلى عادة الحركات والتنظيمات اليسارية منى الوالي مصطفى ورفاقه النفس بقيام دولة في الصحراء، مستندين في ذلك على القرارات الدولية الداعية إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، مستغلين تعاطف حركات تحرر عالمية مشابهة حصلت على استقلاها حديثا وهو المطلب -المتصلب في رأي متتبعين- الذي لم يتغير رغم تغير العالم بأسره حين سقط جدار برلين وانهارت الإيديولوجية الماركسية مع مطلع التسعينات.

  
بمنطق "تصفية الاستعمار" دخلت الجبهة في حروب مع المغرب منذ عام 1976، حتى عام 1980؛ السنة التي شيد فيها جدارا لتأمين المناطق الصحراوية الغنية بالفوسفات، والثروة السمكية، وبالتالي حمايتها من الهجمات والحروب الاستنزافية، التي لم تتوقف إلا سنة 1991 بعدما توصلا الطرفان إلى اتفاق وقف إطلاق النار، برعاية الأمم المتحدة؛ على أساس الشروع في إيجاد حلول سياسية مرضية لهما. وخلف هذا الجدار نجد منطقة منزوعة السلاح، على طول الشريط الحدودي مع الجزائر، توغلت فيها البوليساريو مؤخرا، واصفة إياها بـ "المناطق المحررة"، ما جعل المغرب يحتج بقوة لدى الأمين العام للأمم المتحدة، واصفا الخطوة من جهته بـ "إعلان الحرب" في حالة تغيير الواقع الجغرافي على الأرض.

 

الأمم المتحدة: الصحراء مغربية نعم.. ولكن

أقرت محكمة العدل الدولية في لاهاي لما طلب المغرب رأيها الاستشاري، بأن "الصحراء لم تكن أرضا سائبة، نعم هناك علاقة بيعة لبعض القبائل إزاء سلطان المغرب"، لكن "ليست هناك علاقات سيادة ترابية قد تؤثر على تطبيق مبدأ تقرير المصير". رغم ازدواجية موقف المحكمة الدولية؛ فشقه الأول كان كافيا لدعوة الحسن الثاني للقيام بالمسيرة الخضراء سنة 1975 بمشاركة 350 ألف مغربي ومغربية؛ عشرهم من النساء، شعارهم الله أكبر، وسلاحهم كتاب الله في يد، والعلم المغربي في يد أخرى، غير ابهين بأسلاك التفرقة الحدودية الإسبانية، تشبثا منهم بمغربية الصحراء.

   

 

لم تعترف البوليساريو بالخطوة المغربية فحاول الأفارقة حلحلة المشكل داخل المنظمة الأفريقية واعترفوا بها عضوا في المحفل الإفريقي سنة 1984 ليغادره المغرب فورا، وتأخذ الأمم المتحدة زمام الأمور بنفسها واضعة مجموعة من مقترحات التسوية، وموفدة عددا من المبعوثين الأمميين دون حلول نهائية لأسباب عدة. وهكذا سلمت مدريد إدارة الصحراء إلى المغرب وموريتانيا (اتفاق مدريد) الذي لم يغيب ممثلو الشرعية على الأرض "الجماعة" أو أهل الحل والعقد من شيوخ وعشائر الصحراء، لتبسط الرباط إدارتها على الساقية الحمراء، وتتسلم موريتانيا منطقة واد الذهب، التي سرعان ما تنازلت عليها لصالح المغرب، بعد ضربات عسكرية قاسية نفذتها الجبهة.

  

أطراف الصراع المباشرة وغير المباشرة

لا يمكن فهم نزاع الصحراء خارج الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بقيادة أمريكا، التي يسير المغرب في فلكها تاريخيا، باعتباره أول بلد في العالم يعترف باستقلالها، ولأن المغرب منذ استقلاله سنة 1956 اختار النهج الليبرالي؛ بينما المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي، كانت البوليساريو والجزائر تتبنى نهجه الفكري، وممارساته السياسية. لذلك فمختلف دول العالم زمن الإيديولوجيات اعتبرت طرفا في النزاع، إلا أننا نجد أطرافا مباشرة، منها من صنع المشكل كإسبانيا عندما عزمت منح الاستقلال للصحراء سنة 1974 وهي المرة الأولى التي تقترن بها الصحراء بالاستقلال، وهنا ستبرز البوليساريو كطرف معني بهذا الربط الذي عززته الجزائرية بالسماح لها إقامة مخيماتها في ولاية تيندوف جنوبا، فلم يعد ينقص إلا اسم الكيان، وهو ما تكفل به العقيد القدافي، حين اختار لها من بين الأسماء "الجمهورية العربية الصحراوية".

  
هناك أطراف أخرى؛ إما شاهدة مؤثرة كفرنسا وإما متأثرة بحكم تواجدها في منطقة تماس كموريتانيا؛ التي عانت لعنة الجغرافيا إلى أن وقعت في الجزائر يوم 5 أغسطس/آب 1979 اتفاقية تخلت بموجبها عن إقليم وادي الذهب الصحراوي بعد معارك عسكرية، وحصول انقلاب عسكري على الرئيس الموريتاني وقتها " المختار ولد دادة".

  

هل من حلول جدية وواقعية لطي أقدم نزاع في إفريقيا؟

إلى وقت قريب كان المغرب متثبتا بالصحراء، كل الصحراء في إطار مركزية شديدة، ورغم ذلك تحاور بطريقة مسئولة مع كل المبعوثين الأمميين إلى الصحراء، لكن في المقابل لم يتزحزح دعاة الانفصال قيد أنملة عن موقفهم، الشيء الذي جعل الديبلوماسية المغربية تبدع عوض أن تكتفي بتلقي مشاريع حلول دولية، والبحث عن نقاط تقارب من شأنها أن تدفع قدما في اتجاه حل عادل ومرضي لا غالب فيه ولا مغلوب. وفي هذا الإطار، اقترح المغرب سنة 2007 تحويل منطقة الصحراء حكما ذاتيا كأرضية للتفاوض، باعتباره شكلا من أشكال تقرير المصير، كما تنص على ذلك المواثيق الدولية إلا أن "البوليساريو" لم تتجاوب معه، رغم ترحيب دول عدة، اقتناعا منها بأنه مقترح أكثر واقعية وجدية وقابلية للتطبيق.



حول هذه القصة

منذ سقوط “عرش الطاووس” عام 1979 لم تشهد العلاقات المغربية الإيرانية استقرارا، وخضعت دائما للمتغيرات ليكون آخر تجليات هذه العلاقة المضطربة إعلان الرباط قطع علاقاتها مع طهران بسبب دعمها البوليساريو.

2/5/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة