في قلبي أنثى لا تعرف الطبخ

كان هذا رد أحدهم وهو يسمع إنجازات زوجات أصدقائه، الأول يقول زوجتي جعلتني أكره أن أكل خارج البيت بسبب ما تطبخ، والثاني زوجتي لم تشعرني بغياب أمي بسبب براعتها في الطبخ، ليرد عليهم هو بشكل حزين جدا: في قلبي أنثى لا تعرف الطبخ، فنظر الجميع إليه وكأن زوجته معاقة نفسيا، وإعاقتها لا يقبلها المجتمع، وممكن لا يصنفها في خانة الزوجات الصالحات، فماذا يفعل المسكين وهو يعلم جيدا ذلك المثل الذي يقول: أقرب طريق إلى قلب الرجل معدته، كيف يتصرف ويقنع الجميع أن الحب أهم من الطبخ وقيود المجتمع. وأن شهوة البطن تدبر وتصنع وتطبخ ولو بغير يدي زوجته، لكن غياب من نحب عن أعينانا سيكون بمثابة انتحار الشهية ودخول في حزن دائم.

 

فتشجع صديقنا وأبتسم في وجه أصدقائه قائلا: لقد عشقت فتاتي بسبب روحها وليس بسبب ما تصنع يدها، وأنا أصلا لا أستطيع أن أكل من يد أخرى سوى يد أمي، وكأنه بهذا الرد أعد رجولته في نظر أصدقائه، ودخل قلبه الاطمئنان حينما أوقف أنياب أصدقائه وهي تنهش في زوجته وقلة حيلتها في الطبخ، وحينما عاد إلى بيته، وجد زوجته أمام حصص الطبخ، تسجل وتدون في وصفة جديدة لطبخة عربية مميزة يحبها الرجال، خصوصا أن منشطة الحصة أكدت للنساء أن الطبخ الجميل يجعل رجل يتعلق بك ويعشقك لأن أقرب طريق إلى رجل معدته، إلا أنه فجئ زوجته قائلا: حضري الطابق الأعلى أمي قررت العيش معنا، وكأنه أراد أن يعالج موضوع فشل زوجته في الطبخ، بإحضار أمه للعيش معه، حتى لا يخجل من أصدقائه في حالة ما ثم دعوتهم إلى العشاء.

لكن لو نفسرها من زاوية أخرى، هل مجتمعنا العربي ما زال يصارع في بعض المعتقدات الاجتماعية التي لم تجعله يرى النور، أم أن تأخره في تغير بعد العادات القديمة بحكم تطور الزمان والمكان، هو سبب ارتباطه القوي بعادات وتقاليد قديمة لا تعطي أهمية كبيرة للإنسانية، إن نظرة المجتمع العربي للمرأة دائما تحمل بين طياتها قسوة كبيرة وديكتاتورية غير مرغوب بها، ومن بين المحاكم التي سطرت للمرأة في المجتمع العربي، هي محكمة الإعاقات الزوجية.

 

من جعل فشل المرأة في الطبخ إعاقة اجتماعية، عليه أن يغير فكره ونظرته إلى المرأة

ومن بين أشهر القضايا الموجودة فيها هي إعاقة الزوجة بفشلها في الطبخ، فهذه المحكمة التي يتولى الحكم فيها، حماتها الكبرى بحضور أصدقاء زوجها، يكون دائما الحكم فيها قاسي لدرجة أن القاضي ينصح الزوج بالبحث عن زوجة أخرى تعرف الطبخ جيدا، فهل شهوة البطن لها القدرة الكافية بإزالة قدرة الحب، أم أن استمرارية العلاقة الزوجية لا يكفيها الحب فقط، مع أن عيب المرأة في شخصيتها وليس في طبخها، وأن المجتمع عليه أن يعالج العيوب بدل من إقصاء هذه الإعاقات على أنها فضائح لا يجب أن تكون في المرأة.

 

فالطبخ سهل أن تتعلمه المرأة، لكن صعب على المرأة أن تعالج شخصيتها وتفهم زوجها بعد الزواج، فلماذا لا يرتكز النقد والحكم على المعالجة بدل من المماطلة بخروج المجتمع إلى بر التفاهم الإنساني، والترحيب بالحريات الفردية تحت محدودية تعاليم الدين الصحيحة، لماذا دائما نصوب أسهمنا ومدافعنا وسيوفنا على المرأة، مع أنه كائن مخلوق من أجل استمرارية الكون.

فمن جعل فشل المرأة في الطبخ إعاقة اجتماعية، عليه أن يغير فكره ونظرته إلى المرأة، فصحيح أن الأكل ضروري في الحياة، لكن أن يصل إلى شهوة تجعله يبرمج قواعد قانونية، بشعار زمان الإقطاعيين فهذا تخلف رجعي ليس له ميزة اجتماعية مفيدة للمجتمع، الطبخ مجرد وسيلة ممكن يتعلمها أي شخص حتى رجل، ولن تكون عرقلة بالنسبة للحياة الزوجية، لهذا الأفكار القديمة هي العرقلة الوحيدة في موضوعنا ، كون أن الجميع يحكم على المرأة التي لا تعرف الطبخ بقاعدة عشوائية مليئة بشعبويات، لهذا أصبح من ضروري أن نحكم يعقل متفاهم، وأفكار نبيلة لا تخرج عن دائرة الدين، وبجدية مطلوبة من أجل عدم المساس بالحريات الفردية، ولنفهم جيدا أن أخذ الحياة على أنها أكل ونوما وزواج هي معادلة خاطئة، وإنما خلقت الحياة لأشياء كبيرة وجميلة.



حول هذه القصة

في وقت يحبس فيه الناس أنفاسهم وهم يشاهدون مباريات كأس العالم بكل تفاصيلها، يحرص الكولومبي الأعمى والأصم خوسي ريتشارد على أن يواكب الحدث عن كثب ويستمتع بكل لحظاته.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة