شعار قسم مدونات

فوز أردوغان.. كيف أذاق قلوب النّاس الجائعة طعم الفرح؟

مدونات - فوز أردوغان

لا يلام المواطن العربي العادي وخصوصاً المستضعفين من السوريين والمصريين والفلسطينيين وغيرهم من الأحرار المطرودين والمطاردين على مبالغتهم بإظهار الفرحة لفوز الطيب أردوغان وحزبه في تركيا، فهم يعتبرون هذا الفوز مصدر أمل وفرح في زمن الضعف والنكبات والانكسارات، في زمن استأسد على الأمّة الحملان، وتجرأ عليها الجبان، وتعزّز عليها الذليل، حتى غدت تصبح كلّ يوم على مأساة، وتمسي على كارثة، ودماء أبنائها أرخص على حكامها وأعدائها من الماء. وكيف لا يفرحون وهم يرون شعاع أمل يمتدّ في فضائهم يجدون فيه بداية لطريق خلاصهم، وقد أدمنوا الحزن والآلام والهزائم والإخفاقات، إنّهم يرون تجربة ماثلة أمام أعينهم، تجربة لا تصدّع رؤوسهم بالإنجازات الخلّبيّة على الأوراق وفي الخطابات، تجربة حاضرة بانعكاساتها على جميع الصعد.

 
فلاشكّ أنّ أردوغان وحزبه قدّما نموذجاً متميّزاً لحزب بخلفيّة سياسيّة إسلاميّة، يحكم بلداً علمانيّاً يدينن شعبه بالإسلام، ويعتز به، ويفخر بتاريخه، كان هذا النموذج شكلاً وسطيّاً جديداً تحاشى استفزاز العلمانيين قدر الإمكان، وقفز بتركيّة قفزة نوعيّة على المستوى الاقتصادي والعلمي وإدارة الدولة ودخل الفرد، لدرجة أنّ الغرب استشعراً خطراً كبيراً على مصالحه في العالم الإسلامي من سياسته، فصار يسعى ومعه الأنظمة العربيّة الفاشلة والفاسدة التي تسير في ركابه إلى وأد هذا النموذج المتميّز قبل أن يقوى ويشتد عوده، ويصير نموذجاً تسعى الشعوب العربيّة والإسلاميّة إلى تقليده والسير حذوه، فكان خوف تلك الأنظمة البائسة على كراسي الحكم دافعاً لها لتشارك بمؤامرة الانقلاب على الحكومة التركيّة الشرعيّة عام 2016 بالخفاء أو العلانية، ولكنّ المحاولة الانقلابيّة الفاشلة قوّت ظهر أردوغان وحزبه ولم تقصمه، وطاش حجر هؤلاء المخفقين الفاشلين فباتوا يخبطون خبط عشواء.

 

أصبحت إسطنبول المكان الآمن للمشردين، والهاربين من الحروب، والأنظمة القمعية العربية، ولم تغلق أبوابها في وجه أحد من الضعفاء والمظلومين

أمّا على صعيد القضايا العربية فكانت لأردوغان وحزبه مواقف مميّزة ومشهودة، منذ أن غادر منصة مؤتمر دافوس الاقتصادي أمام الكاميرات، احتجاجا على عدم إعطائه الوقت الكافي للرد على شيمون بيريز بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2009 مروراً بمشاركته الدائمة في محاولة كسر الحصار المفروض على غزة، وما لحق ذلك من قضيّة السفينة مرمرة وتوتر العلاقات التركية مع دولة الصهاينة الذي دام سنوات، وأخيراً موقفه من القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس حيث كان أردوغان صاحب اللهجة الأقوى بين أغلب زعماء العالم الإسلامي، ووصف إسرائيل في كلمته في القمة العاجلة لدول منظمة المؤتمر الإسلامي التي احتضنتها أنقرة في كانون الأول 2017، بـ ( دولة احتلال وإرهاب).

 
أمّا على صعيد ثورات الربيع العربي فقد وقف إلى جانب السوريين في ثورتهم ضد نظام الطاغية بشار الأسد، كما وقف في وجه الانقلاب الذي حصل في مصر، وأدّى لعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي. وأصبحت إسطنبول المكان الآمن للمشردين، والهاربين من الحروب، والأنظمة القمعية العربية، وفتحت تركيّا أبوابها للنخب العربية والعلماء، والسياسيين، والأدباء، والأكاديميين، ورجال الكلمة، ولم تغلق أبوابها في وجه أحد من الضعفاء والمظلومين.
   
أمّا فيما يخص الجانب الإنساني، ففقد استقبلت تركيا حوالي أربعة ملايين من أبناء الشعب السوري المكلوم الهاربين من بطش نظام الطاغية بشار الأسد، في الوقت الذي كانت فيه بعض الدول العربية ولا زالت تغلق أبوابها في وجه النازحين والهاربين من الموت. وعاش السوريون في تركيّا بحرية تامّة، ونالوا ما لم ينلهم إخوانهم الذين لجؤوا إلى البلاد العربيّة، وقدّمت الحكومة التركية للنازحين المظلومين والمشردين ما استطاعت. بالإضافة إلى موقفه من مأساة المسلمين في بورما وقبل ذلك مأساة مسلمي البوسنة والهرسك وغيرها من قضايا المسلمين، كلّ هذه المواقف جعلت من تركيّا وحكومة الطيب أردوغان وحزبه تظهر في وجدان المواطن العادي عربيّاً كان أو مسلمّاً وكأنّه المخلّص والنموذج فتعاطفوا معه ومع حزبّه وفرحوا به وفرحوا له.

   undefined

 
لقد جاء الطيب أردوغان في زمن عزّ فيه الفرح، النّاس نسيت فيه طعم الانتصار والظفر، فأذاق قلوب النّاس الجائعة طعم الفرح، أشعرهم أنّ المسلمين يمكن أن ينجحوا إن أرادوا النجاح، وتهيأت ظروفه، من تكريس الحريات واختيار الأكفاء، أنّهم يمكن أن يقهروا هزيمتهم الداخلية، ويسخروا من إخفاقهم الأزلي.

 
في عام 2008 كنت مندوب وزارة لامتحانات الشهادتين في محافظة الحسكة، ذات ليلة سمعت حارس السكن الذي أنا فيه -وهو شاب كردي بسيط طيب القلب- يقفز على الأرض ويصرخ فرحاً، خرجت لأرى سبب فرحه الهستيري، وجدته جالساً خارج غرفته يتابع مباراة كرة قدم لفريق الكرامة الحمصي في بطولة أندية آسيا على تلفزيونه العادي الصغير، سألته متعجّباً عن سبب هذا الفرح الهستيري، أجابني بلهجته التي تشبه اللغة العربية: لا تعجب، صحيح أننّي لست حمصيّاً، لكنّني أعشق الكرامة. قلت: ولمَ؟! قال إنّه فريق يدخل الفرح على قلوبنا، قلوبنا جائعة للفرح، هذا الفريق يملأ قلوبنا فرحاً، يشعرنا أننا نستطيع إن أردنا أن ننجح ونتفوق ونقهر هزيمتنا الداخلية ونسخر من إخفاقنا الأزلي. لم نجرّب النصر منذ سنوات طويلة، جعلنا الكرامة نذوق طعم النصر، بل وأذقنا من كانوا يسخرون منّا طعم الهزيمة. فلا تستكثر عليّ هذه الفرحة.

 
وأخيراً فإنّني أعتقد أن المواطن العربي العادي سيفرح بفوز الطيب أردوغان وحزبه ولو لم يكن في فوزه ونجاحه ما تقدّم من أسباب تدفع للفرح، بل ولو لم يكن له في ذلك أيّة مصلحة، سيفرح نكاية بحكّامه وإغاظة لهم وشماتة بهم، وتشفّياً من أعداء الأمّة الذين يكيدون لها ليل نهار لتبقى أمّة متخلّفة. وصدق الله تعالى القائل: "قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" آل عمران: 119 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.