شعار قسم مدونات

عريس من دبي.. قصة قصيرة

مدونات - عريس زوج
فرحت بخبر خطبة ابنة عمي جودي على قريب لنا يعيش في دبي، وزادت فرحتي بدعوة صديقة لي لحفل زفاف بعريس غائب أيضاً يعيش في دبي، أعز صديقاتي حكمت؛ تلك الفتاة الجادة المجتهدة التي تخرجت بتقدير ممتاز من كلية الهندسة تخصص حاسوب، وتوظفت في الحكومة خلال وقت قياسي، وعملت بشكل مستقل في التسويق الإلكتروني والبرمجة، تختلف تماماً عن جودي ابنة عمي، الفوضوية التي تركت الجامعة واتجهت للتعليم الحرفي، وأصبحت خبيرة في فنون الرسم بالحرق على الخشب والرسم على الزجاج والتطريز، وكلما أتقنت فناً تركته واتجهت لتتعلم فنٍ آخر حتى بعد ما يصبح لها زبائن يطلبون قطعها الإبداعية، ويدفعون مقابلها مبالغ محترمة. جوجو كانت تضع شعار "مزاجي أولاً"؛ الشيء الوحيد الذي التزمت به في حياتها هو وقت التمرين في الصالة الرياضية حيث تعلمت رقص الزومبا.
  
هذا التناقض ظهر جلياً في حفلتيهما، في شكل فستان كل منهما، في التسريحة، والزينة، وطريقة الرقص، كانتا فرحتين جداً كان هذا التشابه الوحيد في الأمر. بالطبع حفل جودي كان صاخباً، مليئاً بالمفاجآت، في حين كان حفل حكمت تقليدياً في كل شيء؛ كانت جادة حتى في سعادتها، خجولةً حد التعثر في رقصها، لكن كنت سعيدة جداً لها حتى تهورت وسألت عن اسم العريس، فأجابتني أختها: هشام يونس. بالطبع اسم العريس جميل، وهو لم يكن السبب في حالة التشنج التي باغتتني.
  
غادرت صالة الفرح وأنا لا أكاد أرى، وعند باب بيتي وقفت كثيراً قبل أن أعود أدراجي، وأذهب لبيت خالتي صديقة أم العريس المقربة، استقبلتني خالتي بتوجس لحضوري في ذلك الوقت المتأخر نسبياً، فطلبت منها جواباً حاسماً وسريعاً عن إن كان هشام قد خطب فتاة أخرى غير جودي، وبعد قليل فقط من الضغط انطلقت خالتي تسرد الأحداث الغرائبية التي دفعت أم هشام لخطبة فتاتين في نفس الوقت لنفس الابن، فقد خافت أن ترفض واحدة منهما فستكون الأخرى "احتياط"، وإذا لم تصدر الفيزا لإحداهما تكون الأخرى "احتياط"، وإذا كان هناك مانعاً أمنياً لخروج إحداهما من المعبر تكون الأخرى "احتياط"، وإذا تراجعت واحدة منهما أثناء الخطبة خوفاً من البعد عن أهلها تكون الأخرى "احتياط"، وحين سألتها عن رأي هشام في الموضوع قالت أنه تحمس جداً للفكرة، وأنه لا يمانع حتى لو حضرت الاثنتين، فستغضبان قليلاً ثم تسلمان بالأمر الواقع، ثم سيشغلهما وسيكون عنده دخلين إضافيين، طبعاً عند هذا الحد، وخوفاً من الموت قهراً في الطريق، قمت من مكاني و"مسحت الأرض" بخالتي قبل مغادرتي على سبيل الاحتياط.
  undefined
 
في اليوم التالي اتصلت حكمت تسأل عني، لأنهم قالوا لها أني غادرت الحفل باكراً وأني بدوت مريضة، كانت تخفف عني بلطفها ورصانتها إلى أن فاجأتها أنا بالخبر الصاعق؛ "حكمت.. أرجوك لا تزعلي مني بس أنا لازم أقولك حاسة بالذنب لأني مخبية عنك.. لكن هشام خطيبك واحد حقير مريض معقد بعت خطب بنت عمي في نفس الوقت إلى خطبك فيه" طبعاً أنا انتظرت لحظة لأسمع ردة فعلها، لكن بدلاً من ذلك سمعت حولها جلبة وإحداهن تطلب زجاجة عطر، وأخرى تطلب الماء وصوت جدتها العجوز تطلب "بصلة".
  
ولأني كنت مغتاظة جداً من ذلك الحقير، أغلقت السماعة، ثم ذهبت لبيت عمي، وأخبرت جودي وأمها بكل شيء أعرفه، بكت جودي بحرقة، ولم تترك شتيمة في تاريخ البشرية إلا ونعتته بها، وفي نهاية كل وصلة شتيمة كانت تقول "قالي إني صوتي حلو.. قالي إني باينة أصغر من عمري.. قالي إنه بيحبني"، حتى ضمتها أمها وهي تقول "خلص حبيبتي خلص هو فاكر بنات الناس لعبة؟ من بكرة بنطلقك منه!" عند هذه النقطة، أوقفت جودي مناحتها، وأدارت لي عينين خاليتين من الدموع وقالت: "أو بنطلق صاحبتها.. هادا قريبنا وإحنا أولى فيه".
  
في خلال أقل من ساعة كانت حكمت أمامي، وكنت قد وصلت لمرحلة لم يعد فيها شيء يفاجئني، فبدلاً من أن تفضفض لي الفتاة الخجولة المؤدبة الرصينة، كانت تحاول إقناعي بأن أقنع جودي بطلب الطلاق لأنها "خفيفة ودلوعة" ولن تعرف كيف تتعامل مع شخص خبيث مثل هذا المخادع. لبعض الوقت أصبحت أشعر بأنني أنا "العزول" ومحراك الشر، الذي يريد أن يخرب على ذلك ال"هشام" المحب الوديع إكمال طاقم حريمه. ولو أنه وسيم قليلاً، لو أن شخصيته جذابة إلى حد ما، لوجدت لهما عذراً، لم أفهم أبداً سر تعلقهما الأهبل به، وكلتاهما جميلتان، ولديهما مصدر دخل جيد، ومن عائلة محترمة، وجاءتهما فرص أفضل بكثير، ورفضتا شباب "زي الورد" والآن تفضلان هشام؟!
  

لسوء حظ هشام
لسوء حظ هشام "العريس"، غادرت الاثنتان "العروستان" غزة في نفس اليوم، ووصلتا الإمارات في نفس اليوم، وعلى نفس الطائرة
  
في الأيام التالية لم أجب على أي اتصال من أيٍ منهما، وتحاشيت لقاءهما بقدر ما استطعت، ولم أرد على رسائلهما على الفيس، حتى أنني لم أعد أفتحها لشدة استيائي من انحدار ذوقهما حد التعلق بشخص سفيه كهذا، إلى أن انتشر خبر فتح المعبر، وكلتاهما مسجلتان للمغادرة في نفس اليوم؛ وبما أنني لم أرد على اتصال أي منهما، وجدتهما قد حضرتا لزيارتي وفي نفس الوقت. تقابلتا عندي، ونظرت كل منهما للأخرى بتحدي، وأكدت كل منهم أنها أبداً لن ترضى أن ترتبط بذلك "الوضيع"، ولسبب أعرفه الآن لم أصدق أياً منهما.
  
لسوء حظ هشام، غادرت الاثنتان غزة في نفس اليوم، ووصلتا الإمارات في نفس اليوم، وعلى نفس الطائرة، وأنا أقول لسوء حظه ليس تحاملاً أو تحيزاً، ولكن لما علمته عبر خالتي من أمه، فمنذ وصولهما للإمارات والمصائب تنهال عليه، تلقى إنذارات بالفصل من الشركة التي يعمل بها، ثم تم فصله بالفعل، وانتقل للعيش عند والده الذي يعيش في إمارة مجاورة، وزوجة أبيه مستاءة جداً، وبدأت تفكر في الطلاق خوفاً من سلوكه "غير المتزن".
 
أما حكمت وجودي، فلا أعرف ماذا أقول، وأنا أطالع تلك الصفحة المشهورة على الفيس التي تسوق هدايا تذكارية وقطع فنية يدوية بمبالغ خيالية، تعلو غلافها صورة لسيدتي أعمال صاعدتين ترفعان علامة النصر بابتسامة واثقة، واحدة منهما ابنة عمي والأخرى صديقتي المقربة، هل أقول أنني كنت مغفلة جداً؟ أم أقول أنه كان مسكيناً جداً؟ أم أقول أنه وبينما ظن الجميع إنهما الفريسة السهلة كانتا هما الصياد؟

________________________________________________________________________________________________
تنويه: هذه قصة خيالية أي تشابه في الأسماء أو الأماكن هو محض صدفة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.