الخطر الذي تقع فيه بعد الحصول على شهادة البكالوريا

مدونات - امتحانات طلاب

إن الحديث عن الحصول على شهادة البكالوريا يستوجب بداية أن أبارك لكل من حصل عليها داعيا له بالنجاح والفلاح مستقبلا، ويستوجب ثانيا الدعاء الخالص لكل من لم يوفق في النجاح. وحديثي في هذه الشهادة على من وفقه الله سبحانه وتعالى وطوق قلبه بالفرح والابتسامة، بله الوجه، وما سأسطره من أحرف ليس عن النجاح الذي طرت به فرحا، ولا عن الابتسامة التي أحيت قلبك بعد انتظار محرق، وترقب مميت، وترصد لهلال النجاح، فحديثي عن الخطر الذي قد يقع به الحاصلون على هذه الشهادة، والذي قد يغير موازين النجاح إلى الرسوب، نعم! إلى الرسوب، فهذا الخطر أكثر من الرسوب في شهادة الباكالوريا، خطره قد يوقعك في بحر لجي يغشاه كل الناجحين، أمواجه لا ترحم، وظلماته لا تعدل، إذا ألصق بك أهلكك، وإذا أنيط بك أحرقك، وإذا تنغمت به صفدك في سلاسل لا تفتح أبدا، هو خطر تعرفونه، نعم تعرفونه، فجلكم الآن هو لصيق به، فهو الآن اقترب من إحراقكم، فكر ولو قليلا ما هو..؟

  
قبل أن تعرف هذا الخطر الذي قد يهدم طموحك فتعيش لواعج الحرمان من قيمة هذه الشهادة، أوصيك بأن تقرأه بتأن وكأنك تقرأ عن شكوى أمك أنها تعيش في حزن وملل، اقرأه فهذا خطر إذا أقمته بالمنع أقيم لك المستقبل بالترحيب، اقرأه فقد اكتفيت برصده وبيانه في نقطتين اثنتين:

   

إن كان إطراء الناس لك واجب عليهم عرفا، فلا تغتر بدلالة الكلمة أنها إطراء، لكن اسمع إلى محتواها فليس كل الإطراء مذموم، بل هناك إطراء محمود أنت من أسأت استعماله

الخطر الأول: جَعْلُ شهادة البكالوريا نجاح ليس بعده نجاح، وتفوق ما بعده تفوق، لم هذا كله؟ وهي مقدمة الطموح وليس الطموح كاملا، فكثيرا ما أنجزت إنشاء في سنواتك الدراسية يتكون من مقدمة وعرض وخاتمة، فشهادة الباكالوريا في الإنشاء هي مقدمة لا غير، فلا زلت مطالبا بعرض وخاتمة، وجَعْلُ هذه الشهادة إنشاء كاملا هو خطأ قاتل كالسم، نعم! أكثر من السم، لأنه سيقضي على حياتك العلمية فتموت جاهلا حاملا ورقةَ مقدمةِ العلم وأنت بالمقدمة جاهل، فالشهادة هي مفتاح الدراسة وليس أنك درست، وهي مفتاح العلم وليس أنك عالم، ومفتاح البحث وليس أنك باحث، فإياك أن تجعلها كل شيء فتكتفي بها فتموت بالجهل، نعم! إنه الموت، فالجهل يسبب في موت الجاهل، فإياك أن تكتفي بها ويموت الطموح فيك عن شهادة أخرى.

 

وليس أني أقتل طموحك السابق في الحصول على هذه الشهادة، لكن أخاف أن تصاب بالكسل كما خاف عمر بن الخطاب من كسل الصحابة عندما جاءه أبو هريرة مخبرا إياه ان رسول الله ﷺ أخبره بأن يبشرَ بالجنة كلَّ من قال لا إله إلا الله، فضربه على صدره حتى ألقاه على الأرض، وذهب مسرعا إلى النبي ﷺ قائلا له، لا تبشر الناس، فإني أخشى أن يتكلوا فخلهم يعملون، فقال رسول الله ﷺ فخلهم. فإذا كان الصحابة يتكلوا ويتكاسلوا، فماذا عن زماننا اليوم إذا سمع الناس أنهم تفوقوا ونجحوا، سيجعلون هذا النجاح كتبشيرهم بالجنة فيتكلوا، إذن اتركهم يعملون.

   
الخطر الثاني: إعجاب النفس بكثرة الإطراء والمدح لها فتفرح بأقاويل الناس وكلامهم عنها، لم؟ لأنها نجحت في الشهادة فقط، فأنا لا أنهيك عن الفرح، لكن افرح بقيمة المفرح به، واجعل سر فرحك في طريق تفكيرك، ولا تطالب بكثرة الفرح فهو خيانة قاسية. اسمع جيدا، فقد تم مدحُ غيرك قبلك، أين هو ذاك المدح والإطراء لهم، أليس هو كالرياح قد ذهب ونزع عنهم لواقح كمال النجال، وسلب منهم فطرة الاجتهاد، وغرس فيهم إغراء وكسلا وكبتا لا يزول، فاكتفوا بالمدح وابتعدوا عن شغف الدراسة وحبها فهلكوا مستقبلا، وقطعت ظهورهم وعنوقهم كما قال رسول الله ﷺ عندما سمع رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدح فقال: "أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل"، فاحذر أن تصاب بإعجاب النفس فتصبح لا أنت بالشهادة عالما، ولا بالإطراء خالصا، فأقاويل الناس تهزك إطراء في وجهك لحظة، لكنها تبقى دائما تبحث خفية لحظات، عن أي شهادة حصل عليها بعد، هل رسب؟ هل نجح؟ أسئلة ستطرح عليك في كل سنة فاستعد لها.

     undefined

 

وإن كان إطراء الناس لك واجب عليهم عرفا، فلا تغتر بدلالة الكلمة أنها إطراء، لكن اسمع إلى محتواها فليس كل الإطراء مذموم، بل هناك إطراء محمود أنت من أسأت استعماله، فبعض الناس يمدحونك بكلمة لو تمعنتها لوجدتها هي عين الصواب، لكن المشكل من جعلها إطراء ذَمٍّ فخاب وخسر. تمعن معي بعض الكلمات التي مدحت بها، "مبارك"، "وفقك الله.." لما جعلت هذه الكلمات في المدح فاغتررت بها فطاف بك طوفان الظلام، وأي ظلام؟ هذه كلمات ينبغي أن تعرف حقيقتها لتدرك العلا، فالمشكلة هي إساءة في الفهم لهذه الكلمات، ولتَجنُّب هذه الإساءة لا بد أن تقلع عنك غربة الجهل بها، فتعرف حقيقتها كما استعملت عند العرب. فخذ معي رشة صغيرة لنعرف مفهوم هذه الكلمات معا: فمفهوم "مبارك" من البركة وهو الزيادة في الخير، فالناس لَـمَّا يقولون لك "مبارك" فإنهم يدعون لك بوفرة ما حصلت عليه وليس أنهم يمدحونك فتغتر، فتكون من الظالمين لنفسك.

   
وكلمة وفقك الله تعني الدعاء لك بالإعانة والتوفيق والتيسير في كل ما هو خير. فهذه هي معاني الكلمات فلم الاغترار بدلالتها السطحية؟ لِـم لَـم تكن للمدلول صاغيا فتنجح؟ فإياك ثم إياك أن تجعل شهادة الباكالوريا نجاحا كبيرا، ودعاءَ الناس لك مدحا، فاجعل هذه الشهادة مقدمة السير ومفتاح الطريق، واجعل مدح الناس لك تحفيزا تأخذ به طريقك إلى الجامعات مُجِدّا مُجتهدا تبحث على شهادة وعلم.