شعار قسم مدونات

البالونات الحارقة.. كيف أسست فكرة لواقع جديد من الصراع؟

blogs البالونات الحارقة

هي مسيرةُ العودة التي ما زالت تُطِلُ علينا بواجهة التحدي والصمود، هي الخارطة والمفتاحُ الضائع الذي يبحث عن منارة الحق المسلوب، هي الشبابُ الثائر في وجه الغطرسة والظلمات، هي الإرادة والإيمان بالذات الذي لم يلبث أن أصبحَ الشابُ الغزي يبتكر به كل جديد وبأبسط الأدوات ليخرجَ بفكرة ثم يطورها لوسيلة تعبر عن وجوده في هذه الأرض، فاليوم ومع استراتيجية الشبان الجديدة في التعبير عن غضبهم تنتشي الأرضَ عبقَ تفاصيلهم الندية وتحملُ على ظهرها أقدامَ مجاهدينَ باسلة تحملُ راية الدفاعِ عن هذه الأرض حتى أخر رمق.

 

فأخرجت مسيرة العودة الإطارات والأعلام والأطباق الطائرة والسفن وصولاً للبالونات الحارقة، فما هي هذه البالونات وكيف تحاول القيادة الإسرائيلية مواجهتها وهل فعلاً أسست لصراع جديد مع المحتل في ظل ما يفرضه الواقع السياسي الجديد؟ وما هي أخر التطورات السياسية لقطاع غزة هل تتجه نحو التصعيد أم التهدئة والتسهيلات؟

البالونات الحارقة السلاحُ الأبيض في مجابهة التاريخ الأسود:

لم يتوقع يوماً هذا المحتل بأن بضعة بالونات صغيرة خاصة بالأطفال تحوي بداخلها غاز الهيليوم وموصولة بقطعة قماش مشتعلة أن تأثر عليه أكثر من الحشودات البشرية على طول الحدود الفاصلة مع قطاع غزة، فقد ميزوا خطر هذه البالونات التي لا تصل تكلفتها لثمن قطعة حلوى صغيرة حتى، وشاهدوا كيف حرقت أراضي زراعية كلفته ملايين من الشواقل بجانب الأضرار البيئية والتلوث الذي سببته عند ارتطامها بالحقول الجافة، والحرائق التي امتدت حتى عدة كيلومترات واقرب ما يكون إلى المستوطنات المحاذية لقطاع غزة.

بدأنا نشهد حملة إعلامية ضخمة تشنها إسرائيل لإظهار خطورة هذه البالونات عليها وتصدير صورة الفلسطيني بالعابث والإرهابي واستعانتهم ببضع أحاديث نبوية وآيات من القرآن الكريم لتدعيم موقفهم

الأمر الذي استدعى بحث هذا المحتل عن طرق للحد من هذه البالونات والذي وصل به الأمر بأن يخصص فريقاً تقنياً للخروج بمنظومة تكشف عن هذه البالونات وتسقطها قبل ارتطامها بالمحاصيل ولكن سرعان ما فشلت هذه المنظومة وهو ما اعلنت عنه الصحف والوكالات العبرية لعدم مقدرتها على تمييز هذه البالونات التي تعتبر صغيرة نسبياً بل ومستحيلة أن يستطيع أي جهاز رصدها بسهولة اذا ما تمت مقارنتها باتساع رقعة الأرض.

سياسة العجز الإسرائيلية تمهيد سياسي للرد دون قيود:

بعد فشل إسرائيل من حد الشبان الغزية إطلاق البالونات الحارقة وبعد فشل منظومتها الدفاعية بإسقاطها أصبحت القيادة السياسية لها تتماهى بالعجز وتصدر صورتها محلياً ودولياً كالعاجزة لإظهار خطر هذه البالونات عليها والذي يعطي صورة واضحة لتبعيات هذه السياسة وخطورتها الباطنة في الحقيقة وهو ما بات واضحاً في ما تم مناقشته في قرارات الكنيست لاغتيال مطلقي هذه البالونات دون تردد والذي رفضه نتنياهو نظراً لخطورة هذا القرار ونتائجه الوخيمة خصوصاً في ظل التوتر الذي تشهده إسرائيل مع الجبهة الجنوبية أي المقاومة الفلسطينية داخل قطاع غزة وامكانية هكذا قرار في إشعال المنطقة برمتها كرد طبيعي من المقاومة على استهداف المدنيين وبعد ما صرحته الأخيرة بأن سياسة الرد ستقابل بالمثل من طرفها.

ولكن وفيما تتوالي الأسابيع بدأنا نشهد حملة إعلامية ضخمة تشنها إسرائيل لإظهار خطورة هذه البالونات عليها وتصدير صورة الفلسطيني بالعابث والإرهابي بل ووصل الأمر لاستعانتهم ببضع أحاديث نبوية وآيات من القرآن الكريم لتدعيم موقفهم، والأمر الثاني والذي يعتبر هو رأس الحربة في تساؤلاتنا هو أنه وخلال الأيام القليلة الماضية بدأنا نشهد تطور في سياسة الرد الإسرائيلية وصلت حد استهداف مقرات أمنية وأراضي زراعية فارغة بين الحين والأخر وأيضاً استهداف مطلقي الطائرات بصواريخ تحذيرية بالقرب منهم كرسالة بأنكم إذا ما أصررتم على اطلاق هذه البالونات سنغتالكم! فهل بدأ نتنياهو بالتراجع امام الضغوطات المطالبة باغتيال منطلقي هذه البالونات؟ أم أنها سياسة إسرائيلية مدروسة وممنهجة سابقاً؟

فيما يبدو بأن نتنياهو يدرك بأن خيار التصفية هو الخيار الوحيد المتبقي لردع خطر البالونات الحارقة ولكنه في ذات الوقت يستخدم السياسة والتكتيك كتمهيد لهذا الخيار عن طريق التنقل على عدة محاور أبرزها:

1- إظهار خطر البالونات وخسائرها الاقتصادية الفادحة علي إسرائيل.
2- تدعيم صورة العاجز أمام العالم وكسب تعاطفهم.
3- استغلال الوقت والتأييد الشعبي الإسرائيلي في ضرورة وضع حد لهذه البالونات مهما كلف الثمن.
4- سياسة الفرصة الأخيرة والتي تمثلت في التهديد بالاغتيال وهو ما اوضحناه مسبقاً بإطلاق صواريخ تحذيرية.
5- أخيراً وهو ما نتوقعه للفترة المقبلة باغتيال حقيقي يقوم به الجيش الإسرائيلي لمطلقي هذه البالونات كخطوة أخيرة متبقية للردع وهي المتممة لكل الخطوات السابقة من تخطيط وتنفيذ.

حركة حماس وكل الفصائل الفلسطينية لا يوجد على طاولتها خيار التصعيد حالياً وأن سياستها الحالية متمثلة بسياسة
حركة حماس وكل الفصائل الفلسطينية لا يوجد على طاولتها خيار التصعيد حالياً وأن سياستها الحالية متمثلة بسياسة " رد الفعل " لا أكثر
 
بين التسهيلات والاستفزازات يرسم قطاع غزة حلقة أمل وألم:

على غير العادة ومع استمرار فتح معبر رفح البري مع جمهورية مصر العربية لأطول مدة سُجلت له منذ عام 2006، تتوالى علامات الاستفهام الكبيرة لهذه التسهيلات الكبيرة والمشكورة مسبقاً في الحقيقة عليها مصر وما بين استفهامات مصالحة وطنية فلسطينية شاملة اختفى الحديثُ عنها بعد هذه التسهيلات المصرية، فما الذي يحدث خلف الكواليس؟ وهل إجراءات محمود عباس العقابية ضد غزة ستفلح في تركيع حركة حماس للعودة لطاولة المفاوضات! أم ان التسهيلات الأخيرة قد عرقلت وقيدت السلطة في رام الله وكأنها لم تتوقع التسهيلات المصرية المفاجأة؟ 

فيما يبدو بأن السلطة الفلسطينية لم تتوقع هذه التسهيلات المصرية لقطاع غزة وكأنها راهنت على التضييق والحصار كمفتاح للضغط على حماس لتسليم قطاع غزة، ولكن وفي الزاوية الأخرى من الحدث ومع إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تمديد فتح معبر رفح لقرابة 100 يوم بعد فتحه طيلة شهر رمضان المبارك نتساءل هل يا ترى ستعاود جمهورية مصر العربية إغلاق معبر رفح كما السابق بعد انتهاء المدة التي اعلنتها لتبدأ معاناة غزة من جديد؟، أم هل ستوضع استراتيجية تنسيق جديدة بين حماس ومصر مبنية على تفاهمات مشتركة لتنصيب واقع وصفحة جديدة يبدأها الطرفان سوياً للتخفيف عن قطاع غزة؟

ان التفاهمات المصرية الجادة مع حركة حماس لم تخفى علينا وقد ركزنا عليها سابقاً وهو ما بات واضحاً خلال الفترة السابقة التي شهدتها مليونية العودة والحديث الذي دار خلف الكواليس آنذاك عن تسهيلات مصرية مقابل وقف المسيرات!، فهل هذه التسهيلات المصرية هي شرارة ما تم الحديث عنه سابقاً! وهو الذي خرجت حركة حماس وانكرته في حينها؟ وماذا عن الاستفزازات العسكرية الإسرائيلية في غزة عقب الرد على البالونات و القذائف التي تطلقها المقاومة؟ هل سياسة المقاومة تتجه نحو التصعيد أم لا؟

يمكن القول بأن حركة حماس وكل الفصائل الفلسطينية لا يوجد على طاولتها خيار التصعيد حالياً وأن سياستها الحالية متمثلة بسياسة "رد الفعل" لا أكثر، واما بالنسبة للخيار السياسي فهو ما تركز عليه حالياً وأستبعد خيار الحرب في الفترة المقبلة لأنه وفيما يبدو بأننا أمام استشارات في الفترة المقبلة لقطاع غزة مع تسهيلات أكبر وإغاثة منعشة لأن حركة حماس أيقنت أخيراً بأن الحل السياسي لا مناص منه وهو ما دفعها لتغيير سياساتها لتتماشى مع ما يفرضه الواقع من تغيرات وبناءاً على ما تمليه المصلحة السياسية لها.

أما بالنسبة للمصالحة فأعتقد بأن الأجواء المشحونة قد خف توترها وأصبح بالإمكان الحديث عن جولة جديدة من المفاوضات برعاية مصرية فالكرة الأن في ملعب السلطة برام الله فإما العودة لطاولة المفاوضات ووضع الخلافات جانباً وإما التأسيس لمرحلة ثنائية جديدة ما بين مصر وحركة حماس بشراكة عربية تخفف من وطأة الحصار الخانق وتلغي دور السلطة كحل لهذه العُقدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.