شعار قسم مدونات

انتخابات تركيا وخزعبلات العرب!

لا يخفى للعيان أن انتخابات تركيا الرئاسية المبكرة أخذت حيّزاً هاماً في التحليلات العربية السياسية والشعبية، كلُ أدلى بدلوه وفق منطق تحليله ورؤيته وانتمائه السياسي، حتى الفلسطينيون كشعب محتل كان لهم رؤيتهم في الانتخابات التركية، انقسموا -وكأنهم ينقصهم انقسام آخر- ما بين مؤيدين للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكان غالبيتهم ينتمون للتيارات الإسلامية وآخرين لهم منطقهم السياسي في التحليل والتأييد، وآخرين غالوا في التقبيح بشخص أردوغان ليس من منظور سياسي يخص تركيا وسياستها الداخلية، إنما لما برروه في انتقادهم أنه يدعم الحركات السياسية الإسلامية في فلسطين وعلى رأسها حركة حماس، غاضين الطرف عن تأييد أردوغان كرئيس تركي، للشعب الفلسطيني في كل المحافل الدولية، في زمن كانت خشية تأييد فلسطين متفشية بين دول العالم.

حاولت الوقوف على أسباب التأييد والبغض لأردوغان، كان الفلسطينيون والمصريون أكثر المغردين على مواقع التواصل الاجتماعي حول الانتخابات التركية التي يترشح لها 6 مرشحين بينهم امرأة، اتضح لي أن العرب غالبيتهم عاطفيين بالفطرة، مَن أيّد أردوغان كرئيس تركي استند في تأييده على مجمل مواقف سجلها أردوغان لصالحهم، فمثلاً الفلسطينيين أيدوا أردوغان بعد موقفه من حصار غزة ومن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة فلسطين، ومن احتضانه لآلاف الفلسطينيين الذين يعيشون اليوم في تركيا برغد وفير، في زمن كان الفلسطيني فيه يُهان في مطارات الدول الأخرى كونه فلسطيني.

أما المصريون فإن الذين أيّدوا أردوغان هم المقهورين المستضعفين، المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين الذين أفرزوا ابنهم الرئيس المصري محمد مرسي رئيساً لمصر بعد ثورة عارمة ضد نظام مبارك، وما لبث أن انقلب عليه الجيش المصري بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي الذي نصّب نفسه لاحقاً رئيساً لمصر، وما جاء تأييدهم لأردوغان إلا لمواقفه تجاه مذبحة رابعة العدوية، ورفعه شارة رابعة في كل مناسبة، في وقت بات النفاق يضرب أعماق السياسة في مصر والعالم، حيث يخشى الخانعون الحديث حتى عن مجرة رابعة والمطالبة بمحاسبة مَن ارتكبها، عدا عن مطالبته المستمرة بالإفراج عن الرئيس مرسي، كما وإفشاله محاولة انقلاب الجيش التركي قبل نحو عامين عززت في منظورهم أن قوته قادرة على جعله نموذجاً يحتذى به في الحكم المعتمد على تعاليم الإسلام، فيما يعيشون هم صلف الانقلاب عبر الاعتقالات السياسية والإعدامات المستمرة باسم الأمن.

 

بينما نتجه للحديث عن مناقب شخص أردوغان علينا أن ننظر كعرب ولو قليلاً إلى صورة حكامنا الخانعين للأعداء، المستأسدين على شعوبهم قتلاً وظلماً وفجوراً

بالتالي ظل شخص أردوغان هو المحبب القريب للنموذج الإسلامي، عزز ذلك أيضاً مسلسل أرطغرل الذي دعمته الرئاسة التركية ورأى فيه العرب أمجادهم، وعن موقفه من سوريا فأقل ما يمكن قوله أن تركيا تحتضن آلاف المهاجرين، وتركيا من حقها الدفاع عن حدودها أمام نظام لا يفتك أن يقتل شعبه لأنه قرر المطالبة بالحرية، عدا عن أن السياسة لا ديمومة لمواقفها، تقلباتها أسرع وأكثر من تقلبات الطقس.

أنا كفلسطينية مع تأييدي لشخص أردوغان رئيساً لتركيا مع بعض الاختلافات معه، إلا أنني وككثير من الفلسطينيين الذين نحكم على الشخص بناء على موقفه من قضيتنا الفلسطينية العادلة، لا من منطق حكمه وسياسيته في بلاده، رغم أن المشاهد للحال التركي والذي لا يريد أن يرى فقط النصف الفارغ من الكأس يدرك حجم التغييرات الإيجابية التي شهدتها تركيا بعد فوز أردوغان رئيساً لها، سواء الازدهار الاقتصادي أو السياسي، فأردوغان سجل أكثر من موقف مشرّف تجاه فلسطين، لا أبداً من إعلانه مقاطعة دولة الاحتلال الاسرائيلي عقب اعتداء جيشها على سفينة مرمرة التركية واستشهاد 9 من أحرارها على مقربة من قطاع غزة جاؤوا مطالبين برفع الحصار الإسرائيلي عن القطاع.

 

ولن أكون ساذجة وأقول تركيا أعادت العلاقات مع دولة الاحتلال الاسرائيلي بعد سنوات وقبلت بالتعويض والاعتذار لأن السياسة علمتني أن الاعتذار هو اعتراف بالذنب، ولأن السلطة الفلسطينية التي تعتبر ممثلة عن الفلسطينيين تمارس التطبيع وتقيم علاقات مرفوضة مع الاحتلال الاسرائيلي فكيف سأطالب الدول الاخرى بقطع علاقتها مع الاحتلال الإسرائيلي!

الإعلام التركي وخاصة الحكومي لا يفتأ في متابعة سير الانتخابات، ينشرون صور الأزواج وهم يمارسون حق الانتخاب قبل مراسم زفافهم، وصور المرضى على أسرة المرض يمارسون حق الانتخاب، والشبان اليافعين والكهلة يلتقطون الصور وهم يشعرون بأهمية صوتهم الانتخابي في الانتخابات الرئاسية، حقيقة صور بعثت في نفسي الغبط تجاههم، فأنا لم أمارس أبداً حقي في انتخابات رئاسية ولا تشريعية في وطني المحتل فلسطين، وآخرين في بلدان عربية يقاسموني ذات الشعور.

 undefined

فمثلاً في فلسطين قبل 12 عاماً أجريت انتخابات رئاسية وتشريعية ولم تتكرر، كنتُ حينها تحت السن القانوني للانتخاب، وغيري آلاف الشبان الذين لم يشعروا بأهمية صوتهم الانتخابي في مصير بلادهم، وكذلك في الأردن حيث يسيطر النظام بالوراثة على الحكم، وفي سوريا وخاصة بعد الأحداث القائمة أجريت "انتخابات" تشبه كل شيء إلا الانتخابات الحقيقية أفرزت مجدداً الرئيس السوري بشار الأسد بنسبة تأييد 97 بالمائة، والطامة الكبرى في مصر حين تفرز الانتخابات الإنقلابي عبد الفتاح السيسي رئيساً بنسبة تأييد 99 بالمائة، الأمر الذي لا يمكن تقبله منطقياً ولا سياسياً، أما لبنان فتقسيماتها الطائفية تمقت ولا يمكن لها أن تفرز ديمقراطية مرضية، إذاً كيف لأناس لا يدركون معنى النظام الانتخابي الديمقراطي إلا نظرياً أن يشعروا بنشوة تقرير مصير الأتراك في انتخاباتهم الرئاسية فيدفعون بتأييد أردوغان أو رفضه رئيساً لتركيا، ما لنا تهنا وأصبحنا خارجين الحدود نحاول فرض آرائنا على الآخرين.

بينما نتجه للحديث عن مناقب شخص أردوغان علينا أن ننظر كعرب ولو قليلاً إلى صورة حكامنا الخانعين للأعداء، المستأسدين على شعوبهم قتلاً وظلماً وفجوراً، علينا أن نعي ماذا يعني أن تجري انتخابات تركية مبكرة فيما انتخاباتنا مؤجلة الى حين موت رؤسائنا إن جرت الانتخابات لأن غالباً ما يسيطر نظام التوريث أو التنصيب على نظام حكمنا، أين نحن من نظام بلادنا انتقاداً وتغييراً قبل أن نلقي بخزعبلاتنا على نظام بلد آخر!

وكفلسطينية مرة أخرى، زارت تركيا، لا يمكن لها أن تتحدث إلا بلسان فلسطيني عن تأييدها أو رفضها لشخص أردوغان، وأكثر ما لفتني خلال زيارتي لتركيا حب الشعب التركي للفلسطينيين، حيث تزامن زيارتي لها مع الانتفاضة الشعبية التي اندلعت أواخر عام 2015، فما أن تعرّف عن نفسك كفلسطيني، حتى تشعر بعشقهم لفلسطين وللقدس المحتلة عاصمتنا، لوهلة تشعر أنهم فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.