شعار قسم مدونات

المسافة بيننا وبين القدس شهيد

blogs شهيد
تحاصرني ذكراهم وأسماؤهم عالقة في ذهني وصورهم تظهر لي في كل مكان، في صفحات مواقع التواصل، على جدار غرفتي، في أحلامي.. في أحلامي رأيت رزان النجار وهديل الهشلمون لم أرى غير ثوبهما الأبيض، والنور من وجهيهما كان يشع براقا

 

خاطبتني هديل قائلة: وهل يرحل الشهداء؟! لا أبدا نحن هنا نعيش بينكم بطريقة أخرى نحرس هذا الوطن حتى لو خاننا عنوانه وظلمنا حكامه، وضاقت بنا جدرانه، وحرمنا قمحه ورماده، نحن هنا في آهاتكم وأفراحكم، تمشون على أرض امتزج ترابها بدمائنا، وتتنفسون هواء عطر برائحتنا، وتشربون ماء هو في الحقيقة دمع السماء تبكينا، ومن للوطن إلا الشهيد، ومن زادكم عزا وشرفا إلا الشهيد، ومن أعطى باقات أحلامه، وباع زهور شبابه، وضحى بالروح، وضمد للوطن هذه الجروح إلا الشهيد؟ قلت: لست أنا من تنسى شهيدة الحجاب وكيف زادك من الحسن ذاك النقاب، وناداك ربك أن لا تحزني ففي الجنة مستقر الشهيدات، تعانقكن سمية وتستأنس روحكن بصفية وتجدن السلوى بحديث عائشة وتعانق أكفكن خديجة والزهراء فطوبى لكن طوبى للشهداء "وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ".

 

رزان لم تمت يا خالتي، ألم تسمعي همسها في روحك: يا أماه هذا المحتل لا يبكينا طيشه ولا تخيفنا ألعابه، تلك الرصاصة أخطأت هي لم تصب إلا قلوبهم فأعماها الله، وأغشى أبصارهم، فلم يروا بأني كنت مجرد طفلة بريئة تحلم بأن تكون ممرضة، لم يروا بأني مجرد انسانة تجلت فيها أصدق صور الإنسانية، مجرد فلسطينية، جميلة كوطنها، قوية كجبل المكبر، صامدة كالقدس، عيناها تلمعان كبحر يافا، وابتسامتها تربت على كتف المحرومين.

   

إن فكرتم في النصر فوجهوا قلوبكم قبلة المسجد الأقصى وولوا وجوهكم شطره، وأيقظوا العقل بالعلم، واغرسوا في النفوس معاني الصبر والجهاد

تراءى لي طيف هديل الهشلمون ومهند الحلبي وبهاء عليان ويحيى عياش.. سمعت ندائهم فلبيت وروحي لهذا الوطن أعطيت. لم أكن لأطيق الحياة بدونك يا أمي لكن أنت ستعيشين باسم أم الشهيدة ستعانقين بدلتي لتشعري بالعزة، لن أكون بعد اليوم مجرد اسم أو ميت غطاه تراب النسيان، سأذكر يا أمي باسم الشهيدة المسعفة، ويضاف اسمي لقائمة الشهداء، أنا يا أمي اليوم عروس مهري بندقية وكفني من الحرية وغطائي كوفية، أنا اليوم زهرة أخرى تفتحت في القدس، ليغمر عبيرها حيفا والخليل والناصرية، أنا اليوم رقم آخر يضاف لما تبقى من النخوة العربية، أنا اليوم جرم يكتب على بني الصهيونية، أنا اليوم في قلب كل ثائر يؤمن بالقضية، أنا اليوم أعانقك بروحي فقط لأن جسدي في الجنة رضيا.

   
في فلسطين رجال لا يرضون الهوان ونساء كتبن بصمودهن قصص الخلود، والشهادة نقضت كل العهود، من يصافحون عدوهم تحت الكراسي ويرفعون شعارات المصالحة والتفاوض، البلد ليست لكم أصلا فعلى أي شيء نتفاوض؟ بأي حق تقسمون الجغرافيا وتغيرون المسميات، لم يكن أورشليم اسمها يوما بل هي القدس مهد المسيح ومسرى الرسول الأمين، أرض الصالحين والثائرين، أرض الديانات وكل العاشقين المتيمين بالجمال، في قبابها ومساجدها وأسوارها العتيقة وحاراتها المتأصلة في عمق التاريخ، القدس هي مسقط القلوب وباب السماء ومعجزة الإسراء.

 
الآن علينا أن نحفر الأسماء في الذاكرة عميقا، أن نخيط المزيد من الأكفان، ونصنع المزيد من البنادق ونجمع الحجارة، ونربي حلم الشهادة، سنخنق جوهم ونرعب صفهم، "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى" .وكما قال غسان كنفاني: (ليس المهم أن يموت أحدنا المهم أن تستمروا)، هذا ما ينتظره الشهداء أن نستمر ولو تجرعنا مر العلقم ولو لآخر قطرة دم. نجاهد النفوس ونحملها على الإيمان ونقويها بالقرآن ونصنع جيلا لا يتنكر للوطن ويقدس الشهداء جيلا يعرف عمر وصلاح الدين، جيلا يعشق فلسطين، ويدير البوصلة إليها لأنها أولى القضايا ومنها ابتدأت الحكاية ثم اتسع الجرح عميقا ليمتد لسوريا والعراق واليمن، فالعدو واحد وإن اختلفت طرقه في إبادتنا، هو ورم واحد يكبر فينا .

 
إن فكرتم في النصر فوجهوا قلوبكم قبلة المسجد الأقصى وولوا وجوهكم شطره، وأيقظوا العقل بالعلم، واغرسوا في النفوس معاني الصبر والجهاد، والذي نصرهم ببدر وهم أذلة سينصر الفلسطينيين وكل المسلمين المستضعفين في بقاع الأرض، "وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ". 

 

عظمت يا شعب فلسطين بثوراتك ونضالك، أنتم القوة ومن رحم أرضكم يولد الأبطال، أنتم التاريخ ونحن معكم وبكم أحرار. ألا فامنحونا شهادة على أعتاب القدس.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.