شعار قسم مدونات

إليْها في حَضْرَةِ الغُيَّاب

مدونات - امرأة تمشي

وهل أفجعُ من لوعة الفقد ومرارة الاشتياق بلا طائل؟! وهل يطيق الجسد بُعد الروح ليبقى تائهًا بَعدها في متاهة الذكريات يبحث عن أجملها وأغلاها على قلبه ووجدانه؟! وهل تقفُ المسافات حائلًا حتْميًّا أمام لقاءٍ كان ليتمَّ لولا أن قاطعته الأقدار؟! وهل دائمًا يفوتنا قطار التعبير عن تلك المشاعر التي امتلأ بها الجوف ولم يضق بكتمانها إلا بعد رحيل قطار الأقدار على عَجَل؟! اصطفَّتْ هذه الأسئلة أمامي تباعًا بعد دقائق من قراءتي مقالًا للدكتور سلمان بن فهد العودة بعنوان "إليكِ.. في مرقدك!"، ختمها الدكتور بهذه الكلمات: "الآن يقف حبيبك المكلوم أمام حفرتك باسم الشفتين دامع القلب، سلوته أنك لم تذوقي ألم الفقد كما ذاقه هو!"، كلماتٌ كانتْ كفيلةً أنْ تجعلَ عَبَراتِ صاحبِنا تترقرق من مآقيها حَزنًا وألمًا، ولكنها كذلك نبَّهته ليعجِّل الخطى ويكتبَ لمنْ ستكون شقيقة الروح ورفيقة الدرب، يبوحُ لها ببعضِ ما يختلج الوجدان والخاطر حتى قبل أن يعرفها.

 

فراح يقول: أتساءلُ كثيرًا عن ذلك اللقاء الأول الذي سيجمعني بكِ زوجةً وحبيبة وشريكة المشوار، عن تلك الأمانيِّ التي خططتها على دفتر مذكراتي أتحدث فيها عنكِ وأصفك فيها وأتخيلك، هل ستروق لك؟ عن ذلك الحب الذي رحتُ أكتبُ عنه نثرًا وشعرًا، هل سيليق بك؟ عن تلك الكتب التي أحبُّ اقتناءها، عن شغفي لقراءتها والغوص فيها، هل ستشاطرينني الشغف؟ عن تلك المشاعر التي خبأتُها وأقمتُ عليها جدارًا، أتراه ينقضُّ لأبوح لكِ بها؟ أتراه يشَّققُ فيخرجُ منه الماء، ماءُ مشاعرٍ يتدفق ليصل إلى مصبِّ قلبك؟ أترى هل يكفيني لقاء لأفرج عن سيلِ الكلمات التي أرغب في قولها لك؟ أم أنني سأنسى كل تساؤلاتي حين يُشرق وجهكِ فتأفلَ كلُّ نجومي؟ ولعلِّي ألتزم الصمت لأسمعَ صوت قلبكِ أولًا، أصغي إليكِ وأستمع، أتأملكِ حين تنطقين، وأمارس عبادة النظر إليكِ، شاكرًا لله حامدًا على نعمائهِ.. على أنتِ.

 

ولأنَّ للحُبِّ في وجدانِ صاحبِنا صلاةٌ بمحراب القلب، فإنَّ لها مواقيتَ وأذكارًا وتلاوات، ولكنَّها صلاةٌ لا تَصلحُ فيها الجماعة، ويُكره فيها الجهر، وقيامُها في جَوْف القلب

أيُّ نبيلةٍ أنتِ! تعهدين إليَّ بأغلى ما تملكينَ وأنا الغريبُ عنكِ، وأنا الذي لم أعرفكِ إلا قليلًا من الزمن، لأكون أنا أهلك، لأكون الصاحب والرفيق، لأكون الزوج والحبيب، وأيُّ ثمنٍ يكفي لهذا! أترى هل يكفيكِ قلبي؟ ولكنني أعلمُ أنني سأكون لكِ كلَّ ما ترغبين، ولا أمنُّ بذلك عليكِ بل هو حقٌّ مفروض في شريعة الحب، في دستور المودة والرحمة، في طلب اللجوء والسُكنى، وأيُّ جميلةٍ أنتِ! خبَّأتِ ضحكاتكِ وراء ابتسامةٍ يسكنُها الحياء لتضحكي في وجهي، خبَّأتِ كثيرًا من خواطرك لم تبوحي بها لأحدٍ لأكون أول من يقرأها، خبَّأتِ جمالًا حفظتِه وصنتِه في ثوب العفة والرفعة لأكون مؤتمنًا عليه، فهل تكفيني سنون حياتي الباقية لأعوضك وأردَّ لك الجميل؟ فهل يكفيكِ مني حبٌّ مُصفَّى؟ فهل يكفيكِ مني أن أكون سندًا وعونًا؟ أن أكون شقيق الروح؟ أن أكون جدار سعادةٍ لا ينقضُّ أبدًا، لا يبلى مع الأيام..؟

  

سأكونُ لكِ ما تريدين، سأحملُ أحلامك وطموحاتك وأمضي بها حيثُ وُجهتك، لن أكون حاجزًا دون ذلك، لن أكون ذلك المفرِّط في حقوقك، أو المنشغل عنكِ، ولن أرهقك بواجبات الزوجية، ولن أخجل من أخذ مشورتكِ والاستماع لرأيك، بل إني لكِ أنتمي، وإليكِ أهرعُ حين أضعفُ، حين أخشى، دثِّريني! دثِّريني! ولن أكون ذلك الديوث الذي إنْ رآكِ أخطأتِ لم يأبه، بل إنَّ الحب لا يكتمل إنْ لم أقوِّمكِ وتقوِّميني، ستكونين دائمًا أول من يقرأ خواطري وأشعاري، لأنكِ ستكونين ملهمتي، ستكونين أنشودتي وقصيدتي، وسأفخرُ بكِ في كلِّ محفل، وسأضعُ اسمَك دائمًا إلى جانب اسمي فأُعرف بكِ وبي تُعرفين، ولنْ يكون حقي بالقوامة على حساب حقك بالعيشِ واتخاذ القرار، فكما فُضِّلتُ في ذلك فقد فُضِّلتِ في غيرِه، توازنٌ واستقامة أعيشُ وإيَّاكِ، فإن كنتُ ربَّان السفينة فستكونين أشرعتي.

 

سيدتي الفاضلة ونصفيَ الآخَر، لم أدركْ قبلُ قطُّ أنَّ للحياة معنى لا يكتملُ إلا بكِ كما أدركُ ذلك الآن يقينًا، ولم أكن أعلمُ أنَّ منشأ احتياجي إليكِ هو منشأ قوةٍ لا ضعف كما أعلمُ ذلك الآن حقًّا، كيف لا وأنتِ السُكنى، كيف لا وأنتِ الملجأ، فإليكِ أودع كلَّ أسراري، ضعفي وقوتي، ترحي وفرحي، ومعك أجرؤ على البوح وأنسى الكتمان، وفي مملكة قلبي أنتِ الأميرة، وشريكة الحلم والطموح، وفي عينيكِ أرى وطني، وببريق عينيك أبصر وأرى، وبابتسامتك يُقيم في نفسي الأمل، ابتسامةٌ أعشقها وأصبح كالطفل أمامها، بريئًا، ووديعًا، أنتِ صاحبةُ الفضل في ابتسامتي، وصوتكِ ترنيمة قلبي المفضلة، فيكِ سجني وحريتي، وفي ذاكرتي سأحفر اسمك أتلوه كلما جَنَّ ليلٌ وطلعتْ شمسُ صباح، كنجمة صيف تتلألأ في حضن السماء، مهما بعدت يبقى بريقها خلَّابًا يسلب الأنظار، وإن ابتعدتُ عنكِ يومًا فسأنظرُ إلى السماءِ، أتخيّلكِِ، أرسمكِ بريشة العاشق، ولهفة المشتاق، ووجع المُفارق، وهل ألفُ آهٍ تكفي!؟

   undefined

  

ولأنَّ للحُبِّ في وجدانِ صاحبِنا صلاةٌ بمحراب القلب، فإنَّ لها مواقيتَ وأذكارًا وتلاوات، ولكنَّها صلاةٌ لا تَصلحُ فيها الجماعة، ويُكره فيها الجهر، وقيامُها في جَوْف القلب، وسلامُها صوب قِبْلة المحبوب، حيث ولَّتْ روحُه فولِّ روحَك، لا لقاءٌ فيها إلّا بميثاقٍ غليظ، وليس صاحِبُنا مِمَّن يشغفون بحُبِّ الشاشات، مِمَّن تقتلهم اللواحِظ إذا ما تقابلت النَّظرات، أو مِمَّن تتخبَّط قلوبُهم لتلامسَ الأيادي أو لرقصة مغرمين أو لكلمة أحبك تُقال على الملأ، أو لاشتياقٍ تَلخَّصَ في مكالمةٍ هاتفية، أو مِمَّن يُسَر لزينةٍ وجواهرَ وتبرجٍ وأساور، أو مِمَّن يُبْهرهُ عناق بعد فراق، أو مِمَّن تسرقه عناوينٌ براقةٌ فيها كلُّ شيء عدا الحب..

 

في الحُب يشغفه غضُّ الطَّرف إنْ بدا وما بدا، وفيه الصمتُ عبادة، ودعاءُ الخلوة تهجدٌ يتلوه سجودٌ واقتراب، وأكثرُ ما أخشاه على قلبه من الزينةِ الحياء، ويُقدِّس فيه استعلاءَ القلبِ والنظرات، وفي شريعة الحُب التي يَدِينُ بها لا فراق حتى إن لم يكنِ التقاء، فالأرواحُ تعرفُ بعضَها ويَدُلُّها القدر، حُبٌّ في حجرات أربع مغلقة، كحُبِّ الأرضِ والسماء، لا أعمدةٌ ولا  جسورٌ تبدو للعَيان ولكنَّ الله يمسكهما أنْ تَزولا، فيها غَيثٌ وسقيا وهذا  بَذل وعطاء، وفيها ارتواء ونبات وهذا وَفاء وانتماء، وحينَ سألتُهُ عن العنوان؟! فقال: عند البُعْدِ صبرٌ وعِفةٌ ودُعاء، وفي القُرْبِ فإنَّه مَودَّةٌ وسُكنى.