شعار قسم مدونات

أوراق عائد من أفغانستان.. أرض الحرب

blogs صحفي في أفغانستان

يجعلك مجرد التفكير في السفر إلى أفغانستان تعيد النظر في قرارك خاصة إذا كانت التلفزيونات ووكالات الأنباء تطالعك يوميا بأخبار التفجيرات الانتحارية والعبوات الناسفة واشتباكات حركة طالبان مع قوات الأمن. كان أول عهدي بأفغانستان في سفارة البلد بالدوحة حيث كان الاستقبال بسيطا وكان يتعين عليك خلع حذائك لتدخل إلى أرض قاعة الاستقبال المفروشة بالبساط وهو ما يشعرك بأنك تدخل إلى بيت أحد أصدقائك. وقد عرفت لاحقا أن عادة فرش البيوت منتشرة في أفغانستان حيث يتنقل الأفغاني حافيا في بيته في أرض مفروشة ونمارق مصفوفة.

 

صدرت تأشيرة سفري إلى هذا البلد المكلوم منتصف إبريل عام ألفين وثمانية عشر وبسبب التزامات شخصية تأخر سفري عدة مرات.. وقبله بقليل وبالتحديد يوم الثلاثين من إبريل حدث تفجير انتحاري مزدوج ضخم قرب أحد مقرات المخابرات الأفغانية وسط كابل.. وشعرت حينها أن الصحفيين مستهدفون حقا فقد أعقب التفجير الأول وسط كابل تفجير ثان نفذه انتحاري كان متنكرا بزي مصور صحفي وفجر نفسه وسط الصحفيين الذين هرعوا لتوثيق الحدث مما تسبب في سقوط تسعة منهم وجرح آخرين بينهم مصور قناة الجزيرة.

 

ترددت في استغلال وقت العبور الطويل والدخول إلى مدينة إسطنبول لكن جمال المدينة وجسورها على البوسفور التي تشاهدها كلوحة فنية رباعية الأبعاد من الأعلى يجعلك تعيد النظر في خياراتك

وقبيل السفر إلى أفغانستان تزيدك نصائح المكلف بالأمن والسلامة في القناة التي تعمل بها ضغطا نفسيا إضافيا يشبه تعليمات الأمن والسلامة في الطائرة قبل إقلاعها والتي تجعلك تستذكر جميع سيناريوهات سقوطها. قبيل السفر يتم تذكيرك بقواعد درستها في دورات الأمن والسلامة الصحفيين وغابت عنك لأنك لم تتعود عليها.. أولها أنه يتعين عليك تجنب مواقع التفجيرات وعدم التصوير تحت أي مبرر كان خاصة أن طريقة التفجيرات في أفغانستان عودتنا على وجود تفجير ثان في كل مرة يتم فيه استهداف المتجمعين ورجال الأمن حول الضحايا وإيقاع أكبر عدد من الضحايا الجدد بينهم. كما يؤكد لك الخبير الأمني على ضرورة تجنب مناطق التوتر أو تصويرها من بعيد إن لم يكن هناك بد فالصحفي يتعين عليه أن ينقل الخبر لا أن يكون الخبر نفسه.

 

بدأت تعقيدات السفر في المطار بعد توديع الأهل والأطفال الصغار وكانت خطة السفر التوجه إلى العاصمة الهندية ثم أخذ طائرة ثانية نحو كابل إلا أن موظفة الخطوط القطرية رفضت استلام الحقيبة في مكتب التسجيل ودخلت في مشاورات ماراطونية مع مسؤوليها وكانت النتيجة رفض سفري بحكم أن الخطوط القطرية تتعامل مع شركة طيران وحيدة في الهند وهي الخطوط الهندية. وبما أن الحجز تم مع شركة ثانية فليست هناك ضمانات لنقل أغراضي إلى الطائرة الثانية كما أنه ليست لدي تأشيرة سفر إلى الهند لأخرج من منطقة العبور وأعيد إيداع أغراضي من جديد في كاونتر الشركة الثانية.

 

بعد اتصالات مكوكية مع وكالة السفر تقرر تأجيل سفري إلى وقت لاحق وكم كانت دهشة الأهل الممزوجة بالفرحة كبيرة بعودتي تلك الليلة.. صبيحة اليوم الموالي وبعد توصيل الأولاد إلى المدرسة اتجهت مباشرة إلى وكالة السفر التي لم تجد أماكن شاغرة ووعدتني بالتواصل معي خلال اليوم.. ولم يطل الرد طويلا حيث تم العثور على رحلة طويلة جدا إلى كابل عبر تركيا.. يتعين علي خلاله إمضاء أربع ساعات ونصف في الطائرة المتجهة إلى إسطنبول وانتظار الطائرة الثانية لغاية منتصف الليل ثم المبيت في الطائرة المتجهة إلى كابل لغاية الصباح.

 

لم تكن الخيارات البديلة أحسن من ذلك فدول الحصار تتلذذ بتعذيب سكان قطر بتكبيدهم ساعات سفر إضافية وتكاليف أخرى جراء فرضها حظرا جويا على البلد. وكان ممكنا السفر إلى دبي وبعده مباشرة إلى كابل في رحلة أقل تكلفة ووقتا إلا أن ذلك يتطلب المرور أولا عبر العاصمة العمانية كما أن الأخبار المتواترة عن مساعي أبو ظبي لمنع المقيمين في قطر من دخول البلد جعلتني ألغيه تماما كخيار.

 

 يؤكد لك الخبير الأمني على ضرورة تجنب مناطق التوتر أو تصويرها من بعيد إن لم يكن هناك بد فالصحفي يتعين عليه أن ينقل الخبر لا أن يكون الخبر نفسه
 يؤكد لك الخبير الأمني على ضرورة تجنب مناطق التوتر أو تصويرها من بعيد إن لم يكن هناك بد فالصحفي يتعين عليه أن ينقل الخبر لا أن يكون الخبر نفسه
 

تحدد وقت السفر خلال وقت وجيز ولم أجد وقتا لتوديع الأطفال الذين لم يعودوا من المدرسة فقد كان لزاما على أن أكون في المطار عند منتصف النهار لتقلع الطائرة بعدها بساعتين. حينما ترتفع الطائرة في الجو يدرك المرء مدى صغره وحتى حقارته وهو يشاهد الكون الفسيح غير المتناهي وتلك الطرق التي أصبحت مجرد خيوط والمدن التي تحولت إلى مجرد ألعاب أطفال مبعثرة.

 

ترددت في استغلال وقت العبور الطويل والدخول إلى مدينة إسطنبول لكن جمال المدينة وجسورها على البوسفور التي تشاهدها كلوحة فنية رباعية الأبعاد من الأعلى يجعلك تعيد النظر في خياراتك.. أتممت إجراءات الخروج سريعا منتهزا فرصة تخلصي من حمل الأمتعة الثقيل لأهرب إلى وسط المدينة وألتحق بالغروب على ضفاف البوسفور..

 

التهمت ساندويتش أسماك بالميناء في منطقة أمينونو من باعة يشوونها على ظهر السفن وكان مشهد الأمواج وروائح الشواء واكتظاظ المكان من المشاهد التي علقت في ذاكرتي من سفريات سابقة إلى إسطنبول ورغبت في اجترارها من جديد. ولم يوقظني من تأملي سوى بائع السمك الذي استعجلني بالمغادرة بطريقة أعتبرها غير لبقة بعدما مسح الطاولة الصغيرة أمامي لتتأهب لاستقبال زبائن جدد. كنت أسابق الزمن للرجوع إلى مطار إسطنبول خوفا من أي مفاجأة أو تأخر وبعد توقف قصير وجولة في محيط جامع السلطان أحمد ودعت المدينة الصاخبة نحو المطار.