شعار قسم مدونات

العشائر والدولة القُطرية الحديثة (1)

BLOGS عشائر

هل فهمنا معنى الدولة الحديثة خطأ؟ هذا السؤال يجول بخاطري منذ فترة وأحاول فهمه وتحليل أسبابه ومسبباته لذلك دلفت في كتابة هذا المقال محاولا شرح بعض الأشياء التي وصلت إليها. وهو أن قيام فكرة الدولة القطرية وترجمتها في دولنا وفهمها، أنشأ خلل في تركيبة الدولة القطرية الحديثة.

 

الدولة في عالمنا هي عبارة عن مجموعة من العشائر تتقاسم أرض واحدة حسب قوتها وعدد أفرادها ومنتسيبها وقدرتها الاقتصادية على الهيمنة على باقي العشائر أو القبائل. حينما فرض الاستعمار مفهوم الدولة القطرية، استمالة بعض العشائر صاحبة النفوذ على معاونته على تحصيل مأربه، وعند خروج المستعمر ترك هذا الإرث تتوارثه أجيال دولنا من صراع على السلطة وعلى الامتيازات العشائرية كأنما عاد بنا التاريخ إلى الجاهلية الأولى من قبل الإسلام.

البعد التاريخي

هكذا كان الحال في شبه الجزيرة العربية في عصر الجاهلية افتخار وتعصب لقبيلة، العصيان والتمرد على اَي كيان يسعى إلى التنظيم أو فرض نظام وكان ذلك واضحا في أشعارهم؛ وما أنا إلا من غزية.. إن غزت غزوت. وإن ترشد غزية أرشد، وأيضا إبان قيام الدولة الإسلامية الأولى وحروب الردة. هذه الولاءات والتكتلات العصبية ساهمت في نشأة المالك التي أسهمت في انهيار نظام الخلافة الراشد. بعد الخلافة الراشد حُكم العالم الإسلامي من قِبل بُيوتات أو يمكن أن نقول عشائر، مثل الأمويين، والعباسيين.. وصولا إلى العثمانيين.

 

بعض القبائل رأت في المستعمر وفي تعاونها مع المستعمر معززا لدورها ومصالحها الاقتصادية، عليه عملت كأداة عنده وتآمرت معه ضد باقي مكونات المجتمع

هذه البيوتات في شكلها الظهر حاولت جمع الأمة تحت راية الإسلام ولكن نظام الملك وتوارث الحكم أفشل مسعاها وجعلها شيعا تتقاتل من أجل الكرسي والسلطة من غير إيجاد مخرج حقيقي لأزمة الحكم. يرى العلامة ابن خلدون، أن العصبية هي المحرك الأساسي للتاريخ الاجتماعي لمجتمعات دولنا، وقد استفاض في شرح أسبابها، أخذا في الاعتبار عملية التغير الاجتماعي بشكل عام، منطلقا في تفكيره من مبدأ العلاقات الجدلية بين العمران البدوي والعمران الحضري، مفسرا نشأة الدول وانحلالها بناء على آلية العصبية، فهي التي تؤدي إلى الملك، وهي نفسها التي تؤدي إلى زواله.

التاريخ القريب يشير الي إن الاستعمار لعب دور كبير في نشأة الدولة القطرية الحديثة في كل من أسيا وأفريقيا. بعض القبائل رأت في المستعمر وفي تعاونها مع المستعمر معززا لدورها ومصالحها الاقتصادية، عليه عملت كأداة عنده وتآمرت معه ضد باقي مكونات المجتمع. البعض الآخر من القبائل رأت في الاستعمار على إنه احتلال للإنسان والأرض، فقررت محاربته وخوض الصراع ضده. مخرجات هذا التعاون أو الصراع جاءت بعد الاستقلال، في شكل من سيسيطر علي الدولة من يستحق الحكم فيها، ونجده واضحا في كل من دول العربية والإفريقية.

عقد المواطنة في الدولة القطرية وعدم وضوحه

الدولة القطرية الحديثة تقوم على أساس المواطنة أو ما يسمي بالعقد الاجتماعي المكتوب في دستور الدولة. عقد المواطنة ينُص على المساواة بين جميع المكونات الاجتماعية في الدولة دون تفرقة في الحقوق والواجبات، وعليه أي خلل في الدستور أو عقد المواطنة ينتج عنه، عدم مساواة في الحقوق والواجبات وتوزيع عادل للسلطة وكبت للحريات واضطهاد للأقليات.

 

لذلك إذا أردت أن تعرف مدى قوة وصلابة الدولة أنظر إلى دستورها ومدى تطبيقها له، وإذا أسقطنا ذلك على دول تتحكم فيها العشائرية والقبلية نجده واضحا، وأمثلة ذلك كثيرة في الدول العربية والإفريقية، ولا غرابة أن نجد الأتي من مشكلات فيها:

* عدم التعايش السلمي والاندماج وخلل في النسيج الاجتماعي.
* ضعف التصور ومعرفة الأشياء من أصيلها،  وإشكالية المفارقة بين الانتماء إلى العشيرة والانتماء إلى الوطن.
* جدل الهوية والانتماء للدولة القطرية وصرعات العشائر على منافذ السلطة.
* استخدام السياسيين للعشائر لضرب الخصوم وتسيس العشائر من قبل الأنظمة العربية والإفريقية.
* القوانين العشائرية وتعارضها مع قوانين الدولة الحديثة.
* إنتاج عقل جمعي و تراكم تاريخي مشتت مما يؤدي إلى ضعف الهمة عند سُكان الدولة.

إذا كان الشعب مكونا من عشائر أو قبائل متصارعة ومتنافرة، هذا بدوره يقلل من فرص الإجماع والتلاقي تحت سقف واحد ألا وهو الوطن الكبير
إذا كان الشعب مكونا من عشائر أو قبائل متصارعة ومتنافرة، هذا بدوره يقلل من فرص الإجماع والتلاقي تحت سقف واحد ألا وهو الوطن الكبير

العشائر وتكوين الدولة القطرية الحديثة

تكوين الدولة القطرية الحديثة يعتمد على مدى قدرة مؤسسات الدولة وبنيتها وفاعليتها على تسير شؤونها ومصالحها الداخلية والخارجية. وترتكز الدولة على المؤسسات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية في بسط هيمنتها على الدولة (الأرض والسكان)، ويرى الفيلسوف الألماني ماكس فيبر أن الدولة هي من تحتكر العنف المسلح من خلال فرض؛ الهيمنة والسيطرة بواسطة الجيش والأجهزة الأمنية، وهذا يعني أن وظيفة الدولة هي الدفاع، وفرض القانون والنظام، وحفظ وحماية الفقراء، والاقتصاد، الصحة العامة، والتربية والتعليم.

 

هذه الأمور مجتمعة تعكس قدرة المؤسسات وتدل على قوة الدولة وهيبتها في محيطيها وفي العالم. إذا حاولنا تسليط الضوء وفق هذه المعايير على الدول التي تلعب فيها العشائر أو القبائل دورا هام نجد الأتي:
* ضعف في المؤسسات وشلل في قدرتها على تسير شؤون الدولة.
* صراع وحرب على الموارد والسلطة.
* فقر رغم غنى الدولة ومواردها أو احتلال خارجي مباشر أو غير مباشر.
* بطش وظلم وقهر بسبب هيمنة عشيرة أو قبيلة معينة وخلل في ميزان حقوق الأنسان.

أيضا إذا نظرنا إلى الديمقراطية على أساس أنها حُكم الشعب، نجد أن الشعب ممثلا في الأحزاب السياسية، وهذه الأحزاب هي من تُشكل السلطات التنفيذية الممثلة في الحكومة، وأيضا هي من تُشكل السلطات التشريعية الممثلة في البرلمان أو المجلس التشريعي. إذا كان الشعب مكونا من عشائر أو قبائل متصارعة ومتنافرة، هذا بدوره يقلل من فرص الإجماع والتلاقي تحت سقف واحد ألا وهو الوطن الكبير، إذن تلقائيا يكون هنالك خلل في التجربة الديمقراطية. هذا الخلل قد يشكل ضعف وشلل في قدرة مؤسسات الدولة مما ينتج صراع على سلطة وضعف نظام الحكم فيها، وللمقال بقية.