عندما يكون "التدجين" مشروعا سياسيا!

BLOGS جامعة الدول العربية
هناك الكثير من الاستعارات الوافدة من عالم العجماوات، والجمادات إلى البيئة الإنسانية، وإسقاطها على السلوك الإنساني، بحكم الصفات المشتركة وتشابه المواقف مدحا أو ذما. فالرجل الكريم يشبه بالسحاب، والشجاع بالأسد، والذكي بالثعلب، واللئيم بالكلب. وهناك النفس السبعية وهي المتوحشة المفترسة لغيرها. علي بن الجهم الشاعر البدوي له حكاية طريفة مذكورة في كتب الأدب العربي عندما حضر إلى مجلس الخليفة العباسي وقد سنحت له الفرصة بمدح الخليفة لأول مرة بوجوده فقام ينشده بقصيدة مثيرة تحمل قسمات بن البادية في التعبير عن مدح الخليفة بكلمات قاسية مقتبسة من بيئة البداوة يقول فيها أنت كالكلب في حفظك للود وكالتيس في قراع الخطوب. لم يغضب الخليفة من تشبيهه بالكلب، والتيس لإدراكه المعاني الجليلة في مخيلة الشاعر ونبل المقصد من إنسان بدوي لا يتعدي حدود تفكيره بيئة البادية بمكوناتها.

 

فأمر الخليفة بدار جميلة علي شاطئ دجلة تتجلي خلالها مناظر خلابة من حدائق وبساتين، وأخذ الشاعر البدوي يتجول في طرقات بغداد، يراقب حركة الحياة فيها، وبقي على هذه الحال مدة من الزمن، ويستدعيه الخليفة لينشده شعرا مرة أخرى. أتي علي بن الجهم بالعجائب فقال شعرا يسير به الركبان يقول في مطلعها عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري. الاستعارات والتشبيهات غنية في مفردات اللغة العربية بل درج العرب على تسمية أولادهم بأسماء الحيوان: كأسد، وصقر ومنهم من تسمي ببدر وحنظل وهي جمادات وليس هناك من إساءة في إطلاق بعض هذه الصفات، والاستعارات على بعض المسميات لتوصيف موقف مشترك.

هناك تناقض ما بين الإمكانات المادية لدول المنطقة وبين ممارستها العملية السياسية على المستوي الإقليمي والدولي، فهي تنطلق من موقف الضعف في الأداء الدبلوماسي حتى علي حساب قضاياها المصيرية

عالم السياسة له الحظ الوافر من هذه الاستعارات، بغرض إسقاطها على جوانب مختلفة من السلوك السياسي، والممارسة العملية للدول، والوحدات السياسية المختلفة. ولا أجد مصطلح أدق لتوصيف الحالة الراهنة التي تمر بها المنظومة السياسية العربية والأفريقية من مصطلح (التدجين) المستوحى من فصيلة الطيور الأليفة التي تميزت بالوادعة، وعدم الحيلة، والاعتماد علي السيد في الأكل والشرب.

العالم الإسلامي بشقيه الأسيوي والأفريقي يمتلك الكثير من الموارد التي تجعله في مصاف الدول العظمي التي تلعب أدوارا مهمة في السياسة العالمية فضلا عن السياسة الإقليمية، لكن الواقع يثبت لنا غير هذه الحقيقة الماثلة التي تؤكد توفر الثروات والموارد الضخمة التي تمتلكها مجموع دول المنطقة. هناك تناقض ما بين الإمكانات المادية لدول المنطقة وبين ممارستها العملية السياسية على المستوي الإقليمي والدولي، فهي تنطلق من موقف الضعف في الأداء الدبلوماسي حتى علي حساب قضاياها المصيرية كالقدس والقضية الفلسطينية نموذجا.

رئيس الولايات المتحدة الامريكية دونالد ترمب اتخذ قرار نقل السفارة الأمريكية في دولة الاحتلال إلى القدس تمهيدا لاعتراف القدس عاصمة لإسرائيل. وفرضا لسياسة الأمر الواقع لدول الشرق الأوسط لقبول صفقة القرن كنتيجة حتمية لمحصلة عمليات السلام في الشرق الأوسط. هناك تساؤلات كثيرة تريد كسر حواجز الغموض التي تكتنفها سر العلاقة العكسية ما بين توفر عناصر القوة لدول المنطقة وما بين الأداء الدبلوماسي الضعيف من جهة، وما بين المكانة السياسية واستغلال النفوذ الاقتصادي من جهة أخري. يكاد هناك إجماع داخلي أنه بالإمكان أحسن مما كان. لست بصدد ذكر الموارد الاقتصادية التي تمتلكها مجموع دول المنطقة على وجه التفصيل، وإنما جل اهتمامي ينصب إلى كشف العلاقة العكسية ما بين المقدرات الحقيقية لدول المنطقة وما بين الوضع الراهن، والحالة التي تمر بها الأمة، وردود أفعالها تجاه قضاياها الكبرى. أتساءل كغيري ما هي الأسباب التي جعلتنا نصل إلى هذه المرحلة من الضعف؟ ولماذا التخلف والقعود عن دروب النهضة وقد أوتينا أسباب القوة؟

الإجابة على هذه التساؤلات بكل أسف أننا رضينا أن نكون دجاجا سياسيا من بين الأمم وملكنا أمرنا لغيرنا، وارتضينا بالغثائية قسمة. العواصف التي مرت بالأمة خلال القرن العشرين بدخول الاحتلال الاستعمار إلى بلاد المسلمين وصفت بأنها بداية مشروع تدجين الأمة الإسلامية، بسرقة الموارد والمكتسبات، وتجريد الدول تحت الاحتلال من عناصر القوة حتى وصل الأمر إلى مصادرة حق اتخاذ القرار في القضايا المصيرية. وما يحدث اليوم هو امتداد لسياسات المحتل الغربي تجاه الأمة من أيام الاحتلال. عندما يكون التدجين مشروعا سياسيا، فلا حرية في اتخاذ القرار، ولا اعتبار لسيادة الدولة، ألم تكن نظمنا السياسية منقسمة على نفسها وتكن ولائها لإحدى الدول الغربية بما يشبه الوصاية؟