الكلمة الطيبة تلفظُ أنفاسها الأخيرة

blogs حوار
كم كانت حكمة اللهٌ في دفع الإنسان نحو ابتكار لغاتٍ تناسبه كبيرة، بل أنّ اللغة في حدّ ذاتها بحرٌ شاسع المساحة يسبحُ فيه الناس بين الكلمات والمعاني والجمل، فيكتبون ويعبّرون ويتحدثون حتى تتكوّن أيامهم وأفكارهم وتُسجِّل الأوقات ما قاموا بهِ ليتذكروه بعد سنين طوال، أكثر من مئة لغةٍ وطريقة تختلفُ باختلاف أماكن تواجدنا، ومن الجميلِ أنّه يمكنُ أن تتقن أكثر من طريقة، وتعبّر حيثما شئت، بحريةٍ أكبر!

هذا الذي يعجبني في اللغة، لكنّ الذي أريدُ قولهُ اليوم وقد حاولتُ كثيرًا إيصالهٌ للناس، كيف يمكنُ لجملة قد تتكون من ثلاث أو أربع كلمات أن ترفع إنسانًا ما إلى السماء؟ وجملة أخرى من ثلاث إلى أربع كلمات تقذفهُ في أعمق حُفَرِ الأرض؟ هُنا محور الفكرة، بل كلّ الفكرة، أنّ الكلمات التي هي كلّ اللغة تستطيعُ أن تتشكل بطريقتين، إما أن تكون عناقًا، أو رصاصة! لقد ذكرت في الأعلى أنّ الجُملَ توجّهٌ لإنسان، وقد قصدتُ اختيار إنسان بدلًا من كلماتٍ أخرى كـ "شخص، بشري .. إلخ" لأنّ الإنسان في تكوين عقله يستجيبُ لكل المؤثرات حولهِ مهما بدا قويًا، ومهما تظاهر أيٌ منّا أنّ الأحاديث بكل أشكالها لا تعطي تأثيرًا عليه لا نعطيه علامة الدقّة الكاملة، هي تفعلٌ ذلك، تتركٌ الأثر ولربمّا تخرجه بعد حين، ليس بالضروري أن يكون الأثر مباشرًا!

نحبّ الكلمة الطيبة، نحبّ سماعها، نحبّ أن نراها في كلّ مكان، نحبّ أن تتشكل جٌمل الذين حولنا على شكل عناقٍ مطمئنٍ وقت حاجتنا لذلك، ترعبنا فكرةٌ أن يمضيَ أحدٌ بيننا بكلماتٍ جافة قد تفسدُ نهارنا كاملًا، ومهما حاولنا التجاوز تجدها تقفُ أمامك هكذا تقول لك، أنسيت ما قاله لك فُلان؟ لم لا تنتشر هذه الثقافة مثلًا؟ لم لا نعتبرُ الكلمة الطيبة باعتبارها في الدين أصلًا صدقة كأي موضة دارجة هذه الأيام؟ لم يصنّفها الناس في باب المجاملة المذمومة ويستمرون بوصف أنفسهم أنّ ألسنتهم تنطقُ بكلّ ما يشعرون ولا يبالون، وهذه صراحة!

حريتك في التعبير تنتهي عندما تبدأ بالتأثير على قلوب وشعور الآخرين، فأنت لا تدري كم يمكنك أن تحطّم أحلامًا وآمالًا كان صاحبها يحاول بنائها ولم يستطع بسبب كلمتك

إن كنت واحدًا من هؤلاء الناس، فإني أريد الآن إخبارك بشيء ما، الكلمةُ الطيبة لا تعني بالضرورة أن تمتدح أحدًا بشيء، لا أقول لكَ أن تخنق نفسك بين الكلمات ولا تجد إلا أطيبها، نحنُ نشعرٌ، تعجبنا بعض الأشياء وغيرها لا تفعل، أتفق معك، لكنّ مقصدي أنّك تستطيع نقد أحدهم مثلًا ولكن بأسلوبٍ مهذب، لا يجبُ أن تكون فظًا، ما الفائدة من أن تكون هكذا؟ أنت حين تقوم باستخدام هذه الطريقة لن تقدم للشخص الذي يستقبل رسائلك إلا فكرتين، الأولى أن يستمرّ عنادًا بك، والثانيةٌ أن يقفَ مهتزًا في حياته بسبب كلمةٍ تظنها أنت عاديّة، وإن كنت فظًا غليظ القلب انفضّوا من حولك!

أكتب الذي تريدُ كتابته، لا أحد يملكُ حقّ منعك، لكن تذكر دائمًا أنّ حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، وهذه الجملة نعرفها منذ كنّا صغارًا وأضيفُ عليها قائلة أن حريتك في التعبير تنتهي عندما تبدأ بالتأثير على قلوب وشعور الآخرين، أنت لا تدري كم يمكنك أن تحطّم أحلامًا وآمالًا كان صاحبها يحاول بنائها ولم يستطع بسبب كلمتك، لا تدري من بكى ومن شكى ومن نام وفي صدرهِ ضيقٌ بسببك. لمَ لا نحترمُ اللغة ونأخذ الطيّب من كلماتها ونتركٌ هذه الكلمات السيئة التي نشأت مع الأيام بتداولٍ غير جميلٍ أبدًا بين الناس؟ لمَ لا نحاول أن نتحدث مع الناس بالطريقة التي نتمنى أن يتحدث معنا الناس بها، لمَ لا نكونُ أصحاب الخطوة الأولى في إعادة بهجة الكلمات وحبّ الناس لبعضها بالطريقة التي تعيدُ لنا الحياة!

كلّ هذه العبارات التي نكتبها ونقولها لبعضنا تفتقر الحياة، لقد اعتدنا على أسلوب الحروب في النقاشات، في الأحاديث، على أسلوب المنتصر والخاسر، وإلى متى؟ إلى حين تصبحُ اللغة تستنجدُ أنّ كلمات اللين والحبّ والودّ تلفظُ أنفاساها الأخيرة ولا نستطيعُ فعل أي شيء سوى نقلها لمثواها الأخير؟ فلنبدأ نحن ولنعيد لها الروح لتعود فينا نحن، لنعِش تحت شعار الكلمة اللينة القريبة للقلب مع أنفسنا أولًا، مع أولادنا، مع أصدقائنا، مع أحبتنا، مع كلّ الذين نعرفهم، لن ينقص من عمرك أي شيءٍ إذا ما قدمتها سوى أن تُطبع في قلوب الذين حولك أنّك حاولت يومًا ما إضافة رصيدٍ من الحبّ إلى قلوبهم التي جفّت مع الوقتِ والظروف التي يعيشها كلٌ منّا. فلنبدأ، فلنحاول، بكلّ الحب، بكلّ ما نتمناه ونرجوه أن يردّ لنا، الكلمة الطيبة خفيفة على القلب، قريبة إلى الروح، ما أجملها.