آباء لا صيارفة.. كيف أفسد بعض الآباء مفهوم التربية؟

blogs أب يقرأ لأبنه

صحيح أن الضغط الطبيعي على الآباء الذي تفرضه المسؤولية الأبوية منذ حضنهم الأول لأطفالهم وحتى عمر هؤلاء الآباء، ضغط نفسي وعملي مُتفهم منذ بداية الخلق، لكن قدر جيلنا من الآباء أن يتضاعف هذا الضغط لديهم آلاف المرات بعدد غلاء كل سلعة وعدد تفاصيل تقلبات الحياة ومزاجها وعدد توقعات كل خطر سياسي واقتصادي واجتماعي تفاجئنا به أوطننا غير المستقرة على كافة المستويات، الأمر الذي جعل الضغط الأبوي الطبيعي يصل حد الهوس المرضي والضغط العصبي والنفسي ذا الأثر السلبي على الأبناء ابتداءا من تغيير النظرة للأطفال وتحويرها من كونهم أطفال يحتاجون للتربية إلى جعلهم بالغين صغار، هروبا نفسيا من الخوف عليهم أو توهم استساغة ممارسة هذا الضغط الخانق.

بحكم عملي في حملة ثقافة للحياة التي تشجع الطلاب والشباب في مصر على مهارات اختيار الكتب التي تساعدهم في تنمية مهاراتهم الحياتية، بعد كل تدريب أو محاضرة تقريباً تأتيني أسئلة من مراهقين تطلب أسماء كتب لتطوير مهارات التعامل مع الأب العصبي أو الكئيب أو المتسلط، الأعجب أن هذه النوعية من الكتب أصبحت متوفرة بكثرة عالمياً وعربياً! وبحكم جلساتي بالمقهى الذي يقع جنب منزلي غالبا ما استمع لأصوات عالية من رواد المقهى المراهقين (من أبناء الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة) الذين يسبون ويلعنون آبائهم الذين يُحملونهم ما لا طاقة لهم به من توقعات ومهام.

ماذا فعل الآباء بأطفالهم؟!

ما توهمه الآباء من أن الطفل مثل النبتة يمكنها التكيف والحياة بمجرد بعض السقيا المادية، هذا الوهم الذي يجعل الأب يتصور أن وظيفته التربوية تنحصر في كونه صرّاف البيت، ومهامه مع الطفل هي فقط توفير احتياجاته من مأكل وملبس إن استطاع، هذا الوهم الممارس جريمة في حق الأبناء الذين يوضعون موضع انتظار نضجهم واستعجال كبرهم، ما يجعل أخطائهم الطفولية توزن بنفس ميزان البالغين، ألعابهم تشبه ألعاب البالغين، ملابسهم تشبه ملابس البالغين، التوقع منهم يفوق قدراتهم كأطفال، الشيء الذي ينتقص من إنسانيتهم وإنسانية الآباء معهم ويفرخ للمجتمع كائنات لم تعش طفولتها ولم تمارس براءتها، ثم يجني المجتمع أجيالا من كائنات الزومبي في صورة بشر.

يجب الوعي بأن تربية الأطفال ليست فقط صرف أموال عليهم، بل تشمل العناية والرعاية مع الحب غير المشروط الذي يوجب احترام واحتمال الخطأ والتعامل معه وتقويمه
يجب الوعي بأن تربية الأطفال ليست فقط صرف أموال عليهم، بل تشمل العناية والرعاية مع الحب غير المشروط الذي يوجب احترام واحتمال الخطأ والتعامل معه وتقويمه
 

ديفيد إلكايندر (باحث تربوي في مركز لينكولن فيلنس) يضرب أجراس خطيرة في كتابه (الطفل المستعجل) حول خطورة وأبعاد ظاهرة إنضاج الأطفال المبكر خاصة أبناء الأبواب المتأرجحة، يقصد بهم الأطفال الذين انفصل أبويهم بالطلاق، فهم في حالة سفر وتأرجح ما بين عالم الأب وعالم الأم، كل عالم منهم يريده أن يصبح بالغاً ليشفي من وجع ضميره من قرار الانفصال الذي لم يشارك في اختياره الطفل لكنه تحمل عاقبته الأكبر، وليعيش كل طرف حياته الجديدة بأريحية.

 

ويفسر إلكايندر ظواهر فقدان العذرية عند أكثر من 50 بالمائة من مراهقات أمريكا، وانتشار العنف والمخدرات والسرقة والجنس بين طلاب المدارس، واستخدام الأطفال في إعلانات سلع تخص البالغين بما فيها مواد التجميل والجنس والأزياء والسيارات، بأن لها علاقة وثيقة بما حدث ويحدث في البيوت من معاملة الأطفال على أنهم بالغين الأمر الذي جعل الأطفال أنفسهم يتوهمون أنهم كذلك ولا يفيقون من وهمهم إلا بكارثة، وحتى إذا فاقوا منها فسوف يدركون كارثية معرفة من المتسبب في ورطتهم.

وبحسب سوزان فورود (صاحبة كتاب أسر مسممة) فإن جرائم الأباء النفسية والتربوية اتجاه أبنائهم لا يمحوها الزمن ولا تسقط بالتقادم بل تبقى مركوزة في كيان الأبناء حتى بعد أن يتجاوزها بمعرفة وعفو عنهم. إذن لا مفر من العود على بدء، عودة للوعي بأن تربية الأطفال ليست فقط صرف أموال عليهم، بل تشمل العناية والرعاية مع الحب غير المشروط الذي يوجب احترام واحتمال الخطأ والتعامل معه بالتقييم والتقويم المناسب لهم كأطفال لا بالغين، عودة لممارسة الأبوة بالتواصل الحقيقي لا الافتراضي، بالتماس الأبوي لا السلطوي، بالتعامل مع الطفل كبشري جديد يحتاج ليعيش مراحل عمره لا كما نبتة سرعان ما تنضج.