مشاهَدات مغترب في البرازيل

مدونات - مركز تسوق البرازيل

في عيد العمّال 
وفي عيد العمّال، أحمل حقيبتي وأتوجّه إلى محطّة المترو للذهاب إلى عملي في مدينة ساو باولو، محتفلًا بالعمل فعلًا لا قولًا. على بعد خطوات من المحطة، يفترش رجلٌ ثلاثيني الرصيف العاري، غاطًّا في نوم عميق، وغارقًا في قذارة تكسو جسده الذي لم تقاربه المياه منذ أيّام. أهبط على السلالم المتحرّكة لأستقلّ القطار، فإذا الجدار الملاصق للسلالم تغطّيه ملصقات حملةٍ للرفق بالخنازير في البرازيل وحمايتهم من سوء المعاملة!! نعم لست أهذي: إنها حملة للرفق ب٤٠ مليون خنزير يعيشون على أرض البرازيل. دخلتُ إلى مقصورة القطار (من حيث أكتب هذه الكلمات على شاشة الهاتف) وأنا لا أدري من الخنازير: أولئك الذين احتلّت صورهم جدران محطة المترو أم أولئك الذين وضعوا تلك الملصقات؟ 

  

اغتنام اليوم

 من العادات الشائعة شيوعا عظيما في البرازيل، لدى مختلف الفئات العمرية، من مراهقين وشباب وكهول، وحتى شيوخ، ولدى الجنسين، عادة الوشم. والوشم فنون: فمن الفتاة التي تزين عنقها برسم فراشة أو زهرة، إلى الشاب المحب لصرعات موسيقى الروك، الذي لم يكد يترك مساحة في بشرته خالية من الوشم، والأم التي أرادت أن تظهر حبها ﻷبنائها وزوجها مدى الحياة. رسوم حيوانات ونباتات، وجوه إنسية، ومقولات وعبارات بمختلف اللغات تطبع جلود البرازيليين. ومن الموضات الدارجة في هذا المضمار موضة الوشم باللغة العربية. وعندما يتم استخدام لسان الضاد لهذه الغاية، تجد المستوشمين، في معظم الأحيان، يترجمون عبارات من البرتغالية.

  

 ليس على المرء إلا أن يستخدم قدرة الملاحظة لديه لكي يرى مدى انتشار الوشم باللغة العربية في ساو باولو، كبرى مدن البرازيل، وعاصمتها الاقتصادية. اليوم، وبينما كنت أقضي بعض الحاجات في وسط هذه المدينة، لفتت انتباهي امرأة في مرحلة الكهولة تزين أعلى ظهرها بعبارة: اغتنام اليوم، هكذا كما هي بلساننا العربي، بخط النسخ. وعلى الأرجح، قد ترجمت هذه العبارة من العبارة اللاتينية المشهورة carpe diem، والتي تدعو إلى اغتنام اليوم، أي الوقت الحاضر، مع نسيان الماضي والزهد في المستقبل، كما يقول جبران في قصيدته "أعطني الناي": زاهدا في ما سيأتي، ناسيا ما قد مضى. ومما ساعد في انتشار الحروف العربية على أجساد البرازيليين افتتان هذا الشعب بكل ما هو مختلف وأجنبي، الأمر الذي يجذبهم إلى اللغات المكتوبة بحروف غير لاتينية. إلا أن العربية، نظرا لجمال خطوطها، احتلت مكانا بارزا في الأفضلية لدى الواشمين والمستوشمين.

  

وقع بصري على عصفور داخل الباحة، يطير من مكان لآخر لعله يجد طريقه إلى الهواء الطلق. ودار بيني وبينه الحوار التالي: "غريبان نحن يا صديقي وأسيران أنت لا تدري ما الذي جاء بك إلى مركز التسوق.."

 وبالعودة إلى "اغتنام اليوم "، فإن هذه العبارة تستخدم بشكل عام في البرازيل في معرض الحث على استغلال الشهوات الحاضرة وعلى التمتع بملذات الحياة الدنيا. وليت شعري لو يتم استخدامها في الحض على المسارعة في الخيرات، وفي الحث على المنافسة في المبرات. فالشهوات والملذات إلى انصرام، والأعمار إلى انعدام، والمغنم الوحيد المستمر على الدوام، الصامد مع مرور الأيام، هو ما يتركه الإنسان من عمل صالح. فلنكن من الذين يقومون بتأويل هذه العبارة تأويلا يتناسب مع منظومتنا الإيمانية وعقيدتنا الأخلاقية. ولنغتنم الحاضر بثوانيه وساعاته وأيامه في إتيان الخيرات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي طلب العلم، وفي إغاثة الملهوفين، وفي إسعاف المستضعفين، وفي نصرة المكروبين. ولننبذ التسويف والتقاعس والتكاسل، ولنشمر عن سواعد الجد. فكم من الأوقات الثمينة نضيعها في اللهو واللغو والسهو. وكم من اللحظات التي لا تعوض نصرفها في التبطل والتفاهات. ألا إن الثواني والدقائق والساعات لرأسمال المرء، فمن فرط برأسماله، فكيف تربح تجارته؟

  

في مركز التسوق

استبد بي الضجر ذات يوم عطلة، فارتأيت أن أذهب إلى مركز التسوق أتجول قليلا وأرفه عن نفسي المتعبة. لم تكن بي شهوة للطعام، ولكني سرعان ما توجهت إلى باحة المطاعم، حيث كان مطرب يضرب أوتار الغيتار، ويغني أغاني باللغة الانجليزية، بلكنة برازيلية واضحة. وقد كان شكل هذا المغني خارجا عن المألوف البرازيلي: لحية كثة عظيمة- خط فيها الشيب بعض الخطوط – تغطي جل نحره، وصلعة براقة تبرز على رأس لم يبق من شعره إلا ما يستر الصدغين والقذال، وجسد ضخم تزيد من ضخامته سمنة بائنة، ولباس ينم عن اللامبالاة، تماما كما اللحية والشعر. وأخذت الأنامل الرشيقة تضرب الأوتار، وراح الصوت الشجي ينطلق من الحنجرة التي احترفت الغناء. اتخذت مقعدا غير بعيد من الموسيقى، وشرعت في التأمل والتفكر، وأخذتني أفكاري بعيدا، لكن مهارة العازف المغني كانت كفيلة باستبقائي لفترة زمنية غير قليلة. وبينما أنا جالس أستمتع بالطرب، وقع بصري على عصفور داخل الباحة، يطير من مكان لآخر لعله يجد طريقه إلى الهواء الطلق. ودار بيني وبينه الحوار التالي (وقد كان من طرف واحد):

  

 "غريبان نحن يا صديقي وأسيران أنت لا تدري ما الذي جاء بك إلى مركز التسوق، حيث لا طيور ولا أعشاش ولا أشجار، وأنا لا أدري ما الذي جاء بي منذ عقدين من الزمن إلى بلاد لم ولن ينقطع فيها شعوري بالغربة. أنت أسير داخل مبنى يقصده الناس للتسوق والترفيه، وأنا أسير داخل عالم لا أشبهه ولا يشبهني، لا أفهمه ولا يفهمني، وكأن كل واحد منا قد جاء من مجرة مختلفة عن التي يجد نفسه فيها الآن. أنت تحاول جاهدا أن تجد طريقك إلى الفضاء الرحب، وتعلم علم اليقين-بغريزتك- أنك ستجدها، وأنا أحاول جاهدا أن أفك القيود التي ترهقني -والكثير منها من صنع نفسي – لكي يتسنى لي الانطلاق إلى العالم الفسيح حيث الرحب والسعة، وأعلم علم اليقين -بما استوطن باطني من إيمان- بأنني سوف أحطم القيود التي ترهقني وأنطلق انطلاقة تثلج صدري".

  

كلاب وقطط

 

undefined

  

لدى البرازيليين، كغيرهم من شعوب الغرب، عادة متأصّلة تشترك فيها كافة شرائح المجتمع: عادة إقتناء وتربية الكلاب والقطط. وهم ينفقون في ذلك أموالًا طائلة دون أسف أو تحسّر، بل بشعور كأنهم يقومون بواجب لا بد من تأديته. وقد تحظى هذه الحيوانات بدلع واهتمام يفوقان ما يحظى به الكثير من البشر. ولطالما كنت أستغرب هذه العادة، وأستنكر هذا الإسراف في الإنفاق على هذه الحيوانات الأليفة. إلا أنني اليوم لم أعد أرى عجبًا في هذه العادة، فحالة الفراغ الروحاني والانطواء على الذات وتفكك منظومة قيم الأسرة والمجتمع، هذه الحالة التي ولّدها مجتمع ما بعد الحداثة المعولم قد أرغمت الناس على تعويض ما افتقدوه من من متعة المؤانسة. فاحتلّت الكلاب والقطط المكانة التي كانت للصداقات والزيارات، وحتى للأطفال. ففي لقاء جمعني مع بعض زملاء الدراسة في كلية الطب بعد 9 سنوات من التخرّج، تبادلنا أطراف الحديث: المهنة، العائلة، الأطفال، ذكريات الكلية. واحدة من الزملاء أرادت أن تريني صورة إبنها، كما قالت، فإذا شاشة المحمول تغطيها صورة كلب!

 

في ساحة السي

ساحة السي هي الساحة الرئيسية في ساو باولو وفيها نقطة الصفر لهذه المدينة، في هذه الساحة تقف الكاتدرائية شامخة متعالية. يحفها الشحاذون والمتشردون من كل جانب، وتصمد أشجار النخيل باسقات، يظللن الباعة والمشاة والناس من كل الألوان، ويشهدن أولئك الذين يحملون الكتاب المقدس، ويصرخون بأعلى أصواتهم داعين إلى ما يعتبرونه تعاليم الناصري وهم في صراخهم وحركاتهم الاستعراضية كأنهم من الذين أصابتهم الجن بمس فخولطوا في عقولهم. والحمام يطير ويبحث بين أقدام المارّة عن قوته الذي تتقاذفه الريح والنعال والذي يعرف كيف يميز رائحته، حتى من خلال رائحة البول الذي يسيطر على الأرصفة، ويملأ الجو بنتانته. 

  

أين قراء العربية في البرازيل؟ وهَبْ أنك وجدت نهما في المطالعة يتقن العربية، فهل تراه يهتم بواحدة من أعظم المؤلفات الصوفية في كل العصور؟

بجانب الكاتدرائية ينام رجلان، ويتقاسمان اللحاف نفسه والقمل نفسه والقذارة نفسها والبؤس نفسه. تضربهما شمس الهاجرة ويتغير عليهما الطقس، لكنهما صامدان لا يتزحزحان من مكانهما الأثير، وكأنه فراش فاخر وثير. الغادون والرائحون في حركة لا تفتر، هذا محام يركض وبيده الملفات، لكي يلحق موعد قضيته في المحكمة. وذلك شاب يهرول لإنجاز المعاملات اللازمة لوظيفته الجديدة وذاك طالب يجري لكي لا تفوته المحاضرة، وتلك حسناء تسرع لكي لا تتأخر في الوصول إلى عملها. شبان وشيوخ، نساء ورجال، مدقعون وموسرون، تجمعهم هذه الساحة العجيبة التي تكتظ فيها الباصات، وتحيط بها من كل الجوانب المحال التجارية. هنا مطعم للوجبات السريعة والعصائر، وبالقرب منه محل لبيع السكاكر والحلويات، وآخر مختص بالأعشاب والأدوية الطبيعية.

   

 وهناك مكتبة تملأ رفوفها الكتب الجديدة، وأخرى مختصة ببيع الكتب المستعمَلة تقع في الجانب الأيمن من الباب الخلفي الكاتدرائية. أدخل إلى متجر الكتب القديمة المكون من ثلاثة طوابق ممتلئة عن بكرة أبيها بالمجلدات والقراطيس من كافة الموضوعات والاهتمامات والأحجام، الفلسفية والدينية والتاريخية والسياسية والعلمية والأدبية. في الطابق الثاني على يسار الصاعد في السلم تنتصب رفوف عليها بعض المجلدات العربية! نعم، لست أهذي! لسان الضاد له مكانه الضئيل وسط هذا الكم الهائل من المطبوعات الأعجمية في بلاد البن وكرة القدم، وكأنها واحة وسط صحراء الأعمال البرتغالية وغيرها من اللغات. هي ذي الفتوحات المكية ومحاضرة الأبرار لابن عربي، وهو ذا العقد الفريد لابن عبد ربه وغيرها من الأعمال التي تزيد أو تقل قيمتها. 

  

 ماذا تفعل الفتوحات في نقطة الصفر لأكبر مدينة في أمريكا اللاتينية؟ أتراها سوف تجد من يشتريها؟ خاصة أن سعرها ليس بالزهيد أبدا (وهو نفس السعر المطلوب في مجلدات العقد الفريد)، وهو يحتاج إلى مشتر يتمتع بشيء من البحبوحة تسمح له بالاستغناء عن المبلغ المحترم المطلوب ثمنا لها. ثم أين القراء في ذلك الوسط؟ وأين قراء العربية في البرازيل؟ وهَبْ أنك وجدت نهما في المطالعة يتقن العربية، فهل تراه يهتم بواحدة من أعظم المؤلفات الصوفية في كل العصور؟ لا أملك جوابا عن كل هذه الأسئلة، ولكنني أعرف أنني خرجت من هناك وكلي حسرة وأسف، لأنني لم أستطع الاستغناء عن المبلغ الباهظ لنقده ثمنا للفتوحات، خاصة وأنني لم يسبق لي أن طالعتها. وشعرت كأن مجلدات الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر تهتف بي:

"أنقذنا من ساحة القذارة 

خلصنا من ساحة الدعارة 

خذنا إلى حيث الطهارة"

  

غازلت تلك المجلدات وغازلتني، وودعتها وودعتني، وخرجت من هناك وفي قلبي غصة وحرقة لتركها غريبة ووحيدة في ذلك المكان الغريب بين أولئك الغرباء. فهل من يتبرع بإنقاذها من وكر الرذيلة؟ وهل من يأخذ بيدها إلى الأيادي التي تكون جديرة بلمسها؟



حول هذه القصة

An Iraqi security member arrives to cast his vote at a polling station two days before polls open to the public in a parliamentary election in Baghdad, Iraq May 10, 2019. REUTERS/Thaeir al-Sudani

تبدأ اليوم الخميس بالعراق عملية التصويت الخاص لانتخابات مجلس النواب وتشمل منتسبي القوات الأمنية والمرضى والسجناء، كما يبدأ على مدى يومين المغتربون المسجلون بـ 21 دولة الإدلاء بأصواتهم.

Published On 10/5/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة