تهمة إحراق العرب لمكتبة الإسكندرية.. كيف أُسقطت؟!

مدونات - حريق مكتبة الإسكندرية

عرفنا في المقال السابق كيف تم إلصاق تهمة إحراق العرب لمكتبة الإسكندرية القديمة، وعرفنا أيضاً أن نشأة هذه الفرية بدأت من خلال كتابات بعض المؤرخين العرب؛ كـ "عبد اللطيف البغدادي، وجمال الدين القفطي"، لكن العجيب أن نفي هذه الفرية ودحضها جاء -أول ما جاء- في كتابات بعض المستشرقين الذين أنصفوا العرب مثل إرفنج، وكريستون، وفلين، وغيرهم؛ حينما ذكروا أن ما أشيع عن حرق المسلمين للمكتبة هو أمر لم يكن له وجود لدى الباحثين قبل ترجمة كتاب "مختصر الدول" إلى اللاتينية.

  
كما أن: فوت، واهلويلر؛ ذكرا في كتابهما "جنايات الأوروبيين": "أن الأسقف ثيوفليس هو الذي أحرق خزانة الإسكندرية لا المسلمين؛ فالدين الإسلامي لا يبيح إحراق الكتب". أما غوستاف لوبون الذي أورد في كتابه الشهير "حضارة العرب" تعليقًا على الرواية المزعومة، بقوله: "أما إحراقُ مكتبَة الإسكندرية المزعوم فمِن الأعمال الهمجيَّة التي تأباها عادات العرب، والتي تجعَل المرء يسأل: كيفَ جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمنًا طويلاً، وهذه القصة دُحضت في زماننا، فلا نرى أن نعود إلى البحث فيها"!.

  
كما أن عزيز سوريال عطية؛ ذكر في كتابه "تاريخ المسيحية الشرقية" – ترجمة إسحاق عبيد – أنَّ "رواية حرق العرب لمكتبة الإسكندرية من نسيج الخيال، وهي أقربُ إلى الأساطير في كلِّ تفاصيلها؛ حيث لا توجد مصادِر مُعاصِرة أو حوليَّة تُشير إلى الحادث من قريب أو بعيد، فعندما وصل العرب إلى الإسكندرية سنة 642 م لم يَجدوا شيئًا من مكتبة البطالمة؛ فقد تمَّ إحراق المكتبة منذ زمن بعيد على يد يوليوس قيصَر عند هجومه على الإسكندرية؛ لمساعدة كليوباترا ضدَّ أخيها سنة 48 ق.م، وعندما صارت الغلبة للمسيحيين في القرن الرابع الميلادي هجموا على آثار الوثنيِّين بالمدينة ودمَّروهم، ومنها مكتبة البطالمة الوثنية، وما بقي من لفائف البردي تهالكت وبليَت بفعل الزمن".

  
وبعد هذه الاستفاضة المطولة عن موضوع إحراق مكتبة الإسكندرية القديمة، يجدر بنا أن نختم هذه الموضوع الهام بذكر بعض الحجج والبراهين التي تنفي عن العرب فرية احراق المكتبة؛ والتي نسوقها كالتالي:

الكتب التاريخية وكتابات المؤرِّخين الذين زاروا مصر،  لم يُشيروا إلى وجودِ المكتبَة آنذاك، بل أشاروا إلى إحراقها منذ زمن بعيد؛ مما يُبرئ المُسلمين مِن تُهمَة الإحراق

1- إذا كان قد صحَّ خبر إحراق المسلمين للمكتبة، فلماذا لم يذكرْه المؤرِّخون الأوائل الذين أتوا بعد الحادِثة بزمن قصير؛ مثل: حنا البقيومي، واليعقوبي، والبلاذري، وابن عبد الحكم، والكِندي، ومَن أخذ عنهم؛ مثل: ابن الأثير، والسيوطي، وابن تغري، مع العلم أن كتبهم تعدُّ مِن أوثق وأدق ِّالمصادر التي اهتمت بتاريخ  مصر؟!

  
2- أن الشخصية التي تدور حولها القصة – أعني حنا الأجرومي الإسكندراني – الذي طلَب الكتب من عمرو بن العاص، أثبتت الروايات والكتب الموثوقة -كما ذكرنا من قبل- أنه تُوفِّي قبل الفتح الإسلامي لمصر بنحو 30 سنة على الأقل!

  
3- كما أنه إذا جاز لنا أن نسلِّم بصحة الخبر فإن الرواية التي ذكَرها البغدادي وأبو الفرج وابن القفطي تقول بأن عمروَ بنَ العاص قام بتوزيع الكتب على الحمامات بالإسكندرية، وهذه الطريقة بعيدة كل البُعد عن سياسة عمرو المشهور بدهائه وفطنته؛ حيث إن تلك الطريقة ستسمح بتسرُّب الكتب عن طريق بيعها أو إخفائها على يد أصحاب الحمامات، أليس حرق الكتب دفعة واحدة تحت إشراف عمرو كان بالنسبة له أفضل له من توزيعها؟!

 
4- كما أن الرواية المزعومة لم تظهَر إلا بعد مرور ستة قرون على الحادثة، عندما وردت عند عبداللطيف البغدادي في القرن 12م، ومجرَّد أن الرواية ظهرت بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة يجعلنا نشكُّ في مصداقيتها أمام غياب مصادر سابقة تُشير إلى الخبر ولو مِن بعيد.

 
5- أن الكتب التاريخية وكتابات المؤرِّخين الذين زاروا مصر، خصوصًا في القرنين 5 و6 من الميلاد لم يُشيروا إلى وجودِ المكتبَة آنذاك، بل أشاروا إلى إحراقها منذ زمن بعيد؛ مما يُبرئ المُسلمين مِن تُهمَة الإحراق.

 
ولذا فإنه يتضح لنا مما سبق أن إحراق العرب لمكتبة الإسكندرية القديمة تهمةٌ باطلة، وفرية كاذبة، وخرافة من خرافات الرواية التاريخية؛ لا أساس ولا ارتباط لها بالحقيقة والمنطق العلميّين، بل وربما ابتُدعت لأهداف خفية!
_____________________________________________________________________________________________________________________
مراجع:
1- أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، المجلد الخامس، الطبعة السادسة، دار النهضة المصرية، القاهرة 1983.
2- الفرد ج بتلر، فتح العرب لمصر، ترجمة: محمد فريد أبو حديد، مكتبة مدبولي، القاهرة 1990
3- عبدالرحمن بدوي، التراث اليوناني في الحضارة الاسلامية، مكتبة النهضة المصرية، الاسكندرية 2002
4- عزيز سوريال عطية، تاريخ المسيحية الشرقية، ترجمة: إسحاق عبيد، المجلس الأعلى للثقافة، مصر 2005
5- عمر عباس العيدروس، أضواء على مكتبة الإسكندرية من خلال إطلالة على التاريخ القديم، وزارة الاعلام والثقافة ـ ابوظبي، الامارات 1995
6- مصطفى العبادي، مكتبة الاسكندرية القديمة – سيرتها ومصيرها، اليونسكو، فرنسا 1992 



حول هذه القصة

مكتبة الإسكندرية القديمة كانت تحوي أكثر من 700 ألفاً من المخطوطات ولفائف البردي. (النشر مجاني لعملاء وكالة الأنباء الألمانية “dpa”. لا يجوز استخدام الصورة إلا مع النص المذكور وبشرط الإشارة إلى مصدرها). عدسة: Egypt 2012

أعلنت مكتبة الإسكندرية اليوم الأربعاء أنها تشارك في موسوعة الحياة التي تجاوز حجمها المليون صفحة وتضم معلومات وصورا توثق الأنواع المختلفة للكائنات الحية حول العالم.

Published On 15/8/2012
entrance in front of the Giza Pyramids plateau on the outskirts of Cairo, Egypt, 10 February 2011. Although the gates on the outwater wall leading to the Sphinx are in their usual closed position for security purposes, Egyptian authorities reopened the area on 09 Februar. Tourists however are few as anti-government protesters continue their demonstrations against President Hosni Mubarak. According to the Egyptian government, about one million tourists fled the country in the first 9 days after the launch of the protests, causing a major risk to the Egyptian economy that is widely depending on tourism sector

قالت مكتبة الإسكندرية إن عددا من الفنانين التشكيليين الروس يقومون حاليا بحملة إبداعية لرسم معالم مصرية، على أن تعرض لوحاتهم في معرض “مصر بعيون الفنانين الروس” في عدة مدن روسية ومكتبة الإسكندرية يوم 10 ديسمبر/كانون الأول القادم.

Published On 23/4/2013
مكتبة الإسكندرية تمتاز بتصميمها الفريد من نوعه. (النشر مجاني لعملاء وكالة الأنباء الألمانية “dpa”. لا يجوز استخدام الصورة إلا مع النص المذكور وبشرط الإشارة إلى مصدرها). عدسة: Egypt 2012

تلقت مكتبة الإسكندرية في مصر أكثر من 400 ألف كتاب ودورية من مكتبة المعهد الملكي للدراسات الاستوائية في هولندا. وتعتبر مجموعة الكتب هذه من أكبر المجموعات التي تتناول قضايا التنمية بأوجهها المختلفة وخاصة في الدول النامية، بحسب بيان صادر عن المكتبة الأربعاء.

Published On 6/11/2013
مكتبة الإسكندرية القديمة كانت تحوي أكثر من 700 ألفاً من المخطوطات ولفائف البردي. (النشر مجاني لعملاء وكالة الأنباء الألمانية “dpa”. لا يجوز استخدام الصورة إلا مع النص المذكور وبشرط الإشارة إلى مصدرها). عدسة: Egypt 2012

أعلنت مكتبة الإسكندرية الخميس أنها ستنظم الأسبوع القادم احتفالية عنوانها “مفاتيح روما”، بالتزامن مع احتفال أربع دول أوروبية بالإمبراطورية الرومانية التي كانت مصر جزءا منها.

Published On 18/9/2014
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة