التسويق السياسي.. حاجة ملحة لتصدير القيادات

blogs محاضرة

بعد تدريس مساقات إعلامية متعددة في عدد من الجامعات، ونظراً للمستجدات التي تحدث على أرض الواقع وفي الفضاء الفلسفي المعرفي، كانت لي وقفة أكاديمية مع جامعة صباح الدين زعيم التركية من خلال معهد الدراسات الاستراتيجية لتدريس مساق التسويق السياسي لعدد من النخب الإعلامية العربية، وهي تجربة جديدة فتحت أمام عيوني العديد من التساؤلات والمسارات اللافتة.

  

فبعد أن تقوم -كأكاديمي- بتفكيك المصطلحات الواردة في هذا العلم الجديد نسبياً، ستجد أن الوقائع تفرض نفسها عليك تباعاً لتشكل نماذج عملية في ميادين التسويق التجاري والثقافي والمعرفي والسياسي وصناعة النجومية في عدد من ميادين الحياة، وإذا قارنت بين النظريات التسويقية والترويجية في المجال النظري والميادين العملية تكاد تلمس حجم الفارق الكبير بين النظريات الفلسفية والتطبيقات الملازمة لها على أرض الواقع بصورة تدع الحليم حيراناً.

  

إن استقراءً سريعاً لأداء التيارات السياسية في السنوات الخمس الماضية في أكثر من قطر عربي تقودنا مباشرة لنتيجة حتمية؛ مفادها أن هذه التيارات السياسية الموجودة على الأرض تفتقر تماماً لآليات صناعة القيادة في مؤسساتها الذاتية، وليست لديها بشكل ثابت أي منهجية تفاعلية مع التسويق السياسي لنفسها ولقياداتها وقيادات المستقبل فيها؛ من خلال برامج إعداد وتنفيذ وإشراف وترويج وتصدير للشخصية المطلوبة بشكل منهجي عقلاني مدروس، بل على العكس تماماً؛ حيث تلجأ باستمرار للتعاطي مع كل واقعة وحدث ومرحلة انتخابية ومنازلة حزبية للتعاطي مع الأمر الواقع، وتتفاعل مع الحدث في حينه بما تستطيع وترى.

  

نحن بحاجة إلى جيل شبابي جديد يضخ الدماء في عروق التيارات السياسية الكلاسيكية أو المؤسسات المجتمعية المدنية غير الربحية

إن التسويق السياسي كعلم يرتبط بشكل طردي مع مفاهيم وعلوم تخصصية عصرية، فهو على علاقة بعلم الاجتماع كعلاقته بالإعلام وعلوم الاتصال، وقواعده مستقاة من علم التسويق كما أن مرتكزاته تتصل بعلم الإدارة، ونجاح التسويق السياسي فعلياً يعتمد على علم الاقتصاد كما يعتمد على إدارة الموارد البشرية وضبط البوصلة وخريطة الزمن، ومن تجاهل هذه المعطيات الأساسية فهو يزرع في الهواء، ويحرث في الماء، فلا هو قادر على صناعة السياسة والمنازلة فيها، ولا هو قادر على تسويق ما لديه.

 

لقد أثبت الواقع نجاح العديد من المرشحين الحزبيين في الغرب في أكثر من دولة غربية نتيجة اعتماد آليات تسويق سياسي واضحة، آليات تتصل بالتواصل المجتمعي والتواصل الحزبي البيني، والتواصل مع القواعد الجماهيرية داخل التيار ذاته، وتلك الشخصيات الناجحة في المراحل السياسية المختلفة اعتمدت بشكل كامل على فرق عمل تخصصية ذات قدرة وتجربة وكفاءة في عالم التسويق السياسي الاحترافي.

  

التسويق السياسي العصري حاجة ملحة لتصدير القيادات المجتمعية، ليس على المستوى الحزبي الضيف فحسب، ومن هنا تأتي أهميته، حيث إن إهمال النخب والكفاءات الأكاديمية للتصنيف والتأليف في هذا العلم وتقعيد قواعده بشكل علمي ومستجد أفقد المشرق برمته الكثير من الفرص الحقيقية، وأسهم بهجرة العقول العربية بصورة كبيرة للخارج، وأوجد حالة الترهل الفكري والمعرفي داخل التيارات السياسية؛ نتيجة الاعتماد على القيادات التاريخية تارة، والاعتماد على رجال الأعمال وذوي النفوذ الاقتصادي أو العشائري تارة أخرى.

   undefined

 

نحن بحاجة -وفق ما أرى- إلى جيل شبابي جديد، جيل يفهم حقيقة هذا العلم ويهضم مصطلحاته ومجالات التعاطي معه، ولا أقصد بذلك البعد التنظيري الفلسفي، بل أقصد بذلك جيلاً شبابياً يضخ الدماء في عروق التيارات السياسية الكلاسيكية أو المؤسسات المجتمعية المدنية غير الربحية، وحتى المواقع الحكومية التي عفى عليها الزمن، وباتت تتعامل مع اليوم تعاملها مع الأمس مع افتقادها لرؤية استشرافية للمستقبل.

  

إن المسؤولية في إعداد هذا الجيل الشبابي تتصل بنا كأكاديميين نتواصل مع النخب الشبابية على مقاعدهم الجامعية، كما هي مسؤولية لازمة للقيادات السياسية الواعية والنخب المثقفة في المجتمع لتكون عنصراً ضاغطاً على "سدود المنع البشري" التي ترفض التغيير تحت مسميات فارهة؛ تخضع للترف الفكري أكثر من خضوعها لأي مبرر عقلاني موضوعي، فمن خلال جبهة ضغط فاعلة وموجهة، يمكن لنا الحديث عن عامل ضغط مجتمعي نخبوي إعلامي على المجموع العام لإفراز قيادات أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التعامل مع الواقع المعقد الذي نحياه، بعيداً عن ردات الفعل والتعامل السياسي الكلاسيكي في ظرفنا الذي لا روتين فيه.

 

ومن هنا؛ أوجه النداء لكل أصحاب القلوب الواعية والعقول المعقولة والأفئدة الملذوعة بأن يتحركوا للتفاعل مع هذا العلم العصري اللازم، ليتم البدء -كل في موقعه ووفق حدود مسؤولياته المجتمعية والأكاديمية والسياسية والمعرفية- بصناعة وتأهيل الجيل القادر على خوض التجربة السياسية والتفاعلية في مجتمعاتنا بعمق ووعي؛ لا بسذاجة ونمطية روتينية قاتلة وممجوجة. 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة