فلسفة الجمال في الإسلام

مدونات - القرآن الكريم قرآن كتاب الله

الجمال مفهوم فلسفي طبيعي فطري، تتجلّى معانيه في خلق الله تبارك وتعالى بمكوناته الإنسانية والحيوانية والنباتية والطبيعية، وتتنوّع معطياته حسب كل نوع، وتتفرّع مجالاته حسب نزعات ونزوات كل خِلقة، فالله عز وجل الخالق المبدع، سمّى نفسه خالقا لأنه خلق جميع هذه الأشياء من العدم، وسمّى نفسه مبدعا لأنه أبدع في تجليات هذا الجمال الذي لا يضاهيه جمال، وحيث إن من أسمائه الحسنى الخالق البارئ المصوّر، سبحانه وتعالى تفرّد بالخلق من العدم ووهب الجمال لعباده وأسبغ على تصوير الطبيعة البهاء والجمال والتنوّع، فكان خلقُه سبحانه وتعالى دليلا قويا على وجوده وتعبيرا عميقا على قدرته المطلقة على كل شيء، وفي أي وقت يريد.

ويمكننا أن نستقرئ الجمال عبر واحات القرآن الكريم التي تتحدّث عن خلق الإنسان وخلق السماوات والأرض، وكيف أن الله جلّ جلاله جعل لكل شيء قدرا، وخلق كل شيء زوجين ليتم التناسل والتناكح والتكاثر، ومن لا شيء يأتي الجمال والحُسنُ والبهاء، فعندما نقرأ عن الإنسان وخِلقته نجد القرآن الكريم يعرّج بنا إلى جمال الخِلقة فيقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ) ويقول تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) فالإنسان مخلوق على هيئة معيّنة وعلى صورة رائعة ومتناسقة تبين الجمال الإلهي في الخلق والإبداع، لا يسع الإنسان إلا أن يقف متأملا في هذه الخلقة السوية التي تنضح بملايين الخلايا المتجددة التي تمنح الإنسان حيوية ونشاطا وإبداعا ويتوصل بعقله القاصر إلى حقائق مهمة لها تأثيرها في حياته الفكرية الإنتاجية والفلسفية.

كل ما خلقه الله عز وجل جميل يحمل في طيّاته الجمال الطبيعي الفطري، الذي يسمح للإنسان نفسه أن يستمتع به في أي وقت وفي أي مكان في حدوده الشرعية الذي ضبطها الشرع الحنيف

ورغم أن أصل الخِلقة طين أو تراب إلا أن المولى تبارك وتعالى صيّر هذا الخلق وأضفى عليه جمالا وبهاء، جعل الإنسان يستمتع بحواسه وجوارحه وأعضائه المتنوعة والمختلفة في تناسق بديع لا يقدر على إنشائه إلا المولى العليّ القدير، بل أمره أن لا يجعل هذا الجسد وسيلة للإغراء والافتتان وأن يحفظه من سوء التصرف فيه عبر سلوكات نهى عنها في كتابه العزيز وسنّة نبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم، رغم أنه دعاه إلى التزيّن والطيب في قوله سبحانه وتعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) وقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم دائما يتطيب ويتزين ويلبس اللباس الحسن النظيف ويقول: (إن الله جميل يحب الجمال) حتى جعل الجمال فطرة في الإنسان، وحبّبه إليه، وقوّمه بالإيمان.

وكل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتحدث عن الجمال والزينة فيها دعوة إلى الاستمتاع بما خلق الله، مادام الله عز وجل قد سخّر ذلك للإنسان، من ذلك جمال الطبيعة عندما يقول:(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ في ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ويقول أيضا: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

 

وعند ذكر السماء يقول : (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ، وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ) ويقول تبارك وتعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) كما بين أن الأرض وما فيها من جمال خلقت للإنسان في قوله جل جلاله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).

فكل ما خلقه الله عز وجل جميل يحمل في طيّاته الجمال الطبيعي الفطري، الذي يسمح للإنسان نفسه أن يستمتع به في أي وقت وفي أي مكان في حدوده الشرعية الذي ضبطها الشرع الحنيف، وبما أن الإنسان أيضا يعيش المتضادات فإن القبح وارد في الشكل والصورة وهو أمر خارج عن إطار الإنسان نفسه، لذلك كانت رحمة الله عز وجل اقتضت أن لا ينظر إلى صور وأشكال العباد بل ينظر إلى ما حملت قلوبهم، لأن الصور والأشكال خلقها المولى عز وجل ولا دخل للإنسان فيها إذا تركها على طبيعتها، بينما القلوب وإن كانت أيضا مخلوقة إلا أن تغليفها من مسؤولية الإنسان نفسه فأمره ربه بأن يزينها بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والتقرب إلى الله بصنوف العبادات، وقد أقرّ الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ في قوله عليه الصلاة والسلام : (إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ) وفي ذلك دليل واضح على أن الجمال هنا ليس جمالا حسيا ماديا بل هو جمال معنوي له أثره الكبير على النفس البشرية.

الجمال اليوم على المحك، حيث أصبح المسلمون اليوم يتبعون طرق التزين الجسدي باستخدام جميع أدوات الزينة الحلال والحرام، وإظهار الأجساد وكأنها في قمة الجمالالجمال اليوم على المحك، حيث أصبح المسلمون اليوم يتبعون طرق التزين الجسدي باستخدام جميع أدوات الزينة الحلال والحرام، وإظهار الأجساد وكأنها في قمة الجمال
 

فالجمال الرباني له مساران، أحدهما مادي وله ضوابطه والآخر معنوي ليس له حدود، والمادي نوعان أيضا، أحدهما دنيوي والآخر أخروي، فالجمال الدنيوي تراه في الإنسان وفي الحيوان والجماد، وحدوده أن لا يثير شهوة الإنسان، فجمال المرأة مثلا مفضٍ إلى إثارة الشهوة وإغراء الرجال لذلك أمر الشرع بغض البصر حتى لا يؤدي هذا الجمال إلى مالا يحمد عقباه كما أمر الشرع أيضا المرأة بغضّ بصرها عن وسامة رجل ولا يحل لها التمعن في النظر خوفا من الافتتان والوقوع في الحرام، لذلك كانت الحدود والضوابط في هذا المجال ضرورة شرعية تقتضيها العلاقات الإنسانية بينما في المقابل يصف لنا المولى عز وجل الحور العين في كتابه بأنهن بارعات في الجمال لم تر مثلهن الأعين، ويصرن حلالا على المسلمين الذين أدخلهم ربنا الجنة.

أما الجمال المعنوي الذي يكتسبه الإنسان في الدنيا فهو الجمال المطلوب الذي يزين الإنسان من الداخل ويجعله قريبا من الله عز وجل، لأنه سيتشبع بمعاني الروح وإن كان غير جميل جسدا وصورة، وهذا الجمال هو المطلوب والمحبوب والمرغوب، وقد اكتسب الأولون المفاخر وانتصروا فنصرهم الله من خلال ما تزينت قلوبهم بالتقوى والأخلاق الفاضلة والنأي بالنفس عن البحث عن مواطن الجمال الجسدي الذي يغني الإنسان عن الوقوع في الدرك الأسفل من النار إذا لم يتزين بلباس التقوى.

فالجمال اليوم على المحك، حيث أصبح المسلمون اليوم يتبعون طرق التزين الجسدي باستخدام جميع أدوات الزينة الحلال والحرام، وإظهار الأجساد وكأنها في قمة الجمال، بينما إذا ذهبتَ إلى الروح فإنك تجدها خاوية من أي جمال وفارغة من أي مضمون وزينة فما بال من زيّن نفسه من الخارج وهو يحمل في داخله فيروس الدمار، هو بهذا التصرف يخدع نفسه ويخدع الآخرين بشكله ومظهره لا بمخبره، وعلى هذا كان الأحرى بالمسلم أن يكون متزينا بزينة التقوى والأعمال الصالحة حتى لا يأفل جمال صورته أمام كل من يعرفه.



حول هذه القصة

"بنك العيون" في أديس أبابا، الذي تأسس قبل 12 عاماً، بمبادرة من الرئيس الإثيوبي السابق، جرما ولد جيورجيس، الذي أوصى آنذاك، بالتبرع بقرنيته للبنك، بعد الوفاة. برهي بيلا (54 عاماً) من بين الذين اجروا عملية زرع القرنية التي واكبتها كاميرا الأناضول. 2

تمكن علماء في جامعة نيوكاسل في المملكة المتحدة من الحصول على قرنية عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد، في خطوة يؤمل أن تساعد في سد النقص الذي تعانيه زراعة الأعضاء عالميا.

Published On 31/5/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة