شعار قسم مدونات

"المقعد الشاغر".. مِيْزَةُ المناسبات في البيت الفلسطيني

مدونات - فلسطين غزة أطفال

الكرسي الفارغ أو المقعد الشاغر؛ ظاهرة اعتاد الفلسطينيون على أن تتكرر يوميًا في بيوت أكثر من 5 آلاف عائلة يعيش أبناؤها في نحو 23 سجنًا ومركز توقيف وتحقيق يتبع لسلطات الاحتلال الإسرائيلي موزعة في أنحاء متفرقة على أرض فلسطين المحتلة. وتعيش تلك العائلات على أمل حرية، رُبما قد طالت، ولكنها في نهاية المطاف أكيدة بحول الله وسواعد المقاومة التي ما غاب عن عملها قبل قولها قضية الأسرى في سجون الاحتلال.

  
ناهيك عن عشرات آلاف العائلات الأخرى التي غيّبت الشهادة أبناءها بفعل صواريخ ورصاص الاحتلال واعتداءاته، الذي (الاحتلال وقطعان مستوطنيه) أطلق العنان لعنصريته وإرهابه قبل أدواته القاتلة على شعب أعزل يُطالب بحريته؛ منذ عام "النكبة" في 1948، وفقد (الشعب الفلسطيني) جرّاء سياسات الأبرتهايد والقتل العنصرية الصهيونية عائلات بأكملها منذ ذلك الوقت، وفي زمننا الحديث خير دليل على ذلك إحراق عائلة دوابشة في قرية "دوما" جنوبي مدينة نابلس (شمال القدس المحتلة)؛ في 31 تموز (يوليو) 2015، ومن قبل ذلك إحراق الطفل محمد أبو خضير في الـ 2 من تموز (يوليو) 2014؛ وهي جرائم قد تستمر لطالما استمر الاحتلال.

  

يعتقل في سجون الاحتلال عشرات الأسرى الذين مضى على اعتقالهم أكثر من 25 عامًا، وقد فقدوا أسرهم أو غالبيتها وهم أسرى دون أن يُسمح لهم حتى إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم

آلاف المقاعد الشاغرة في بيوت فلسطينية تنتظر أن يشغلها "إنسان" غيبته سجون الاحتلال.. إنسان اعتقل عنوة أو أُبْعِدَ عن أهله وذويه قسرًا أو قُتِل بآلة حرب أتت بها الدولة العبرية من فقاسة الإرهاب وراعية الحروب ضد المسلمين، أمريكا، لأنه (الإنسان الفلسطيني) ما رضي الذل والهوان ومارس حقًّا قد كفلته الشرائع الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال؛ المقاومة بكافة أشكالها.. تعددت المناسبات التي غاب عنها، أو بالأحرى غُيّبَ عنها عنوة؛ رمضان وعيد وفرح وحزن (…)، كلها مناسبات تجتمع فيها الأسر حول مائدة واحدة أو في مكان واحد، كانت تفتقر لعنصر حضر سيرة وصورة وغاب جسدًا، بينما حلقت روح الشهيد في فناء كل مناسبة تاركة في قلب كل أسرة "غصة" وألم لن ينتهي إلا بانتهاء احتلال ما طال إلا واقتربت نهايته، وانظروا ماذا يقول العديد من الحاخامات اليهود في قيام كيان لهم و"دولة".

  
منذ أن وقعت أرض فلسطين بين أيدي الانتداب البريطاني، بفعل ضعف أصاب الدولة العثمانية وهزيمة لحقت بالمعسكر الذي ناصرته في الحرب العالمية، ومن ثم الاحتلال الصهيوني الذي غذت أطماعه هوان فلسطين الأرض الوقفية على العرب والمسلمين، وظاهرة المقعد الشاغر لا تُفارق البيوت الفلسطينية جرّاء ممارسات الاحتلال؛ إبعاد وأسر وقتل.. تلك الممارسات تركت في كثير من الأحيان أكثر مِن مقعد شاغر في بيت واحد، (عائلة أبو حميد من قلنديا شمالي القدس المحتلة وعائلة القائد الأسير جمال أبو الهيجا من مخيم جنين؛ ربما هي خير أمثلة على احتواء البيت لمقعد شهيد وأسير، ولا ننسى عائلة الشهداء أحمد جرّار ومن قبله والده نصر جرّار)، وعلى مدار سنوات طوال أسست (ممارسات الاحتلال) لألم وحزن "سرمدي" في نفوس العائلات الفلسطينية، لا سيما رحيل بعض أفراد الأسرة أو معظمها عن الحياة في ظل غياب رجل آثر البُعد سَبِيلًا وهو مُجبر على ذلك بسبب احتلال أرضه وتدنيس مقدساته..

   

الشهيد عزيز عويسات (الجزيرة)
الشهيد عزيز عويسات (الجزيرة)

 

وعلى سبيل المثال لا حصر أيضًا يعتقل في سجون الاحتلال عشرات الأسرى الذين مضى على اعتقالهم أكثر من 25 عامًا، وقد فقدوا أسرهم أو غالبيتها وهم أسرى دون أن يُسمح لهم حتى إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم؛ أبرزهم الأسير نائل البرغوثي من كوبر شمالي مدينة رام الله (شمال القدس المحتلة).. وليس بعيدًا فقد فقدت عائلة الأسير عزيز عويسات من جبل المكبر في القدس المحتلة نجلها "عزيز" بعدما كانت الشهادة أسرع في الوصول له من الحرية؛ وهو واحدًا من 216 أسيرًا شهيدًا كتب الله لهم الشهادة قبل الحرية.

   
تلك المقاعد، ظاهرة لا بُد أن تنتهي مع الزمن، ويقع على عاتقنا، كل وفق قدراته واختصاصه، أن نُساند أهلها ونضمد جراحهم الغائرة حتى يلتئم جرحهم بعودة ذويهم أو بمحاكمة عادلة تقتص من قاتل أبنائهم وتعالج أبدًا أسباب وعوامل وجود المقاعد الشاغرة في البيوت الفلسطينية.. تدويل قضية الأسرى ورفع ملفات جرائم الحرب التي ارتكبها قادة الاحتلال لمحكمة الجنايات الدولية ليست إلا الجزء اليسير من قضية يُعاني منها الفلسطيني المواطن منذ 70 عامًا ويزيد.

  
في نهاية المطاف لا تحتاج أسرة "المقعد الشاغر"؛ عائلة شهيد أو أسير، درعًا تذكاريًا تعلقه بلا معنى على حائط بيتها أو إكليلًا من الزهور تذهب ريحه وتجف وروده بعد حين بعد وضعه على نصي تذكاري أو قبر لابنها الشهيد، وإنما تحتاج منّا نصرة تُعيد لها ابنها الأسير أو تُنسيها ولو للحظات نجلها الشهيد بما نحافظ على ما ضحوا لأجله من وطن وثوابت. وفي نهاية البداية هو يبقى الاحتلال بما لديه من عنصرية وإجرام، وهي ستبقى فلسطين بما تملك وتستحق من تضحية وفداء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.